أن يلجأ النظام العربي لإصلاح نفسه بنفسه، عبر
تحقيق مجموعة إصلاحات مستحقة تاريخيا، حتى من قبل أن يولد هذا النظام أو ذاك من
أنظمة "ما بعد الاستقلال"، مسألة أكثر من راهنة.
ها هو أيلول.. بما يحمله أو يعوّل عليه من استحقاق
اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية، يحل أو يهل من دون أن تتراخى القبضة
الفلسطينية من القبض على "جمر الدولة"، في الوقت الذي لا تتراخى القبضة
الإسرائيلية في القبض على محاولات إفشال الخطوة الفلسطينية،
عقد كامل منذ هجمات نيويورك وواشنطن
الإرهابية، وقد شهد عالمنا تغييرا فعليا، تغيّر العالم، ولكن ليس حسب مشيئة وإرادة
تنظيم "القاعدة"، ولا كما أرادت وشاءت الولايات المتحدة، بنزوعها
الإمبراطوري الذي انهار في وقت أقصر، مما كان يحلم أرباب الإمبراطورية من قوى
اليمين المحافظ؛
لا يمكن لمطلق سلطة، وفي سياق إجابتها الضرورية
عن سؤال الحرية، إلاّ أن تحدد موقفها الطبيعي والحقيقي من مجتمعها الوطني، وتوق
شعبها لتحديد التخوم بين الدولة والسلطة، وبين الحقوق الطبيعية والواجبات المنصوص
عليها في عقود "المتلازمة الدولتية"، الناتجة من توازن القوى القائم بين
السلطة والمجتمع.
ماذا تريد الشعوب؟ سؤال جوهري ومصيري تطرحه
اليوم شعوبنا، كما كل الشعوب التي تستشعر اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أن كرامتها ليست
رهينة الحاكم، وليست منّة أو مكرمة منه، مهما يكن عادلا. وأن حريتها كذلك هي
الأقدس من كل القداسات الزائفة والمفتعلة؛
وتمضي ثورات الربيع العربي، بكل ما تحمله من
زخم الرؤى الحاملة لعناصر التغيير والتحول؛ من حال الاستبداد إلى حال من التحرر، يُفترض
أن يكون كاملا؛ ليس فقط من الاستبداد الداخلي، ولكن من كل مكبلات الارتباط؛ ارتباط
النظام أو الأنظمة السياسية الحاكمة بخوارج إقليمية ودولية، فرضت العلاقات معها
دورة من تبعية شبه كاملة، انحطت معها قوى الدواخل الوطنية – السلطوية خصوصا – إلى
اتجاهات لا وطنية.
هل تستطيع التجربة الديمقراطية في واقع متخلف أن تقدم للمجتمع أو للسلطة
أية معايير أو آليات للتقدم؟ وإلى متى تبقى تدور حول الساقية من دون أن تخرج عن
نمط أو أنماط تكرارية، حيث لا تطوّر البتة في واقع مجتمعات تفتقد إلى أية آليات
تغيير تحويلية، تقوم على أكتاف قوى مجتمعية أو سياسية لا ترتبط بدورة المال
والثروة والسلطة؛ هذه الدورة التي يمكن وصمها بنوع من "الستاتيك السلطوي"
الحامل لعناصر "استقرار" تجميدية أو تجريدية، ليست متعيّنة في واقع
مجتمعات متعيّنة، الحراك فيها حياة، و"الاستقرار" ليس جمودا فحسب، بل
موت مقيم.
لن نكون معنيين بعد اليوم، باستبدال سلطة
بسلطة، نظاما بنظام، قدر ما نحن أحوج ما نكون، ووفق مفاهيم الضرورات والحاجات
الثقافية التاريخية؛ بإقامة حكم الدولة؛
الدولة التي صودرت، استملكت؛ أو سُرقت وهُمّشت من قبل "أرباب" السلطة و"أصحاب"
القوة والغلبة والإكراه، حتى باتت السلطة أمنية بامتياز؛
تختلف نماذج التغيير والإصلاح في بلادنا، من
دون أن تبلغ هنا أو هناك سويّات معيارية، يمكن نشدانها أو تطبيقها بما هي كذلك، أي
بما هي آليات تتطابق الرؤية أو زوايا النظر إليها، في ما بين السلطة والمعارضة؛
التقليدية منها أو الشعبية والجماهيرية والشبابية الأكثر حداثة، التي يقوم اليوم
عبء مطالب وأهداف التغيير والإصلاح على أكتافها.