الخميس، 14 أكتوبر 2010

إستراتيجية المفاوضات وتكتيك المعارضات




ماجد الشّيخ

  يشكل موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في شأن تعليق عضويتها في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، خطوة اعتراضية جزئية، لم ترق إلى مستوى وأشكال اعتراضاتها السابقة التي كانت تصل إلى حد الانسحاب وتجميد عضويتها في مؤسسات المنظمة.
أما الآن، فقد جاءت خطوة "التعليق" أكثر انسجاما مع قدرة وإمكانيات الجبهة منفردة، على الفعل الكفاحي الاعتراضي المضاد لنهج المفاوضات الحالي،
 وتحديدا حلقة المفاوضات المباشرة في راهنية البحث عن أنجع سبل تأمين "يهودية الدولة" مع استمرار الاستيطان ومخططاته الهيكلية في كامل مناطق الضفة الغربية، حيث المسرح الأساس لما يفترض أن تكونه الدولة الفلسطينية.

  في السابق، كانت الجبهة تنحاز إلى هياكل "جبهوية" يغلب عليها الطابع الإقليمي؛ كـ "جبهة الصمود والتصدي" و "جبهة الرفض"، وغيرها من هياكل مفرغة من أي مضمون كفاحي، يمتاز بنزاهة انحيازه لكفاح الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي هياكل أنشأتها وغذّتها قوى وأنظمة إقليمية، بما يستجيب لمصالحها أولا وأخيرا، وإن تكن تستوظف قوى فلسطينية، فلأجل إظهار خطواتها التأسيسية للجبهات، كخطى اعتراضية ممانعة لنهج في التسوية كان مجرد اتجاهات وتوجهات لفظية يومها، طال حتى مناكفة الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية بمؤسساتها وأطرها الجبهوية الائتلافية.

  وحتى داخل صفوف الجبهة، يوجد هناك بالتأكيد أكثر من تباين في مواقف كادرها الأساس، على اختلاف مواقع تواجدهم، فهناك من يرى في خطوة "التعليق" خطوة كافية لإيصال صوت الاعتراض والاحتجاج، بينما هناك من يرى ضرورة أن يمتد "التعليق" إلى التجميد والانسحاب، ومن المهم رؤية وتقدير أوزان كل طرف أو اتجاه، فالانسحاب، وهي خطوة قصوى قد ترضي اتجاها مغامرا ومتطرفا، لكن عواقب ذلك على الجبهة وجمهورها قد ينسحب إلى ما يتجاوز صفوف الجبهة، فخطوة "التعليق" الاعتراضية، وإن كانت تستجيب لنبض بعض قوى المشروع الوطني، تبقى في نظر البعض خطوة ليست كافية، فما المطلوب في حالة كهذه؟.    

  هكذا جاءت خطوة "التعليق" أكثر استجابة للمنطق العقلاني، الذي يدرك حدود قدراته وإمكانياته على الفعل، في مواجهة نهج المفاوضات العبثي، ما يضع على عاتق الجبهة الشعبية وقوى اليسار عموما، البحث عن أنجع السبل لمواجهة نهج التخلي عن مسؤوليات قيادة الحركة الوطنية والمجتمع الوطني، على اختلاف ساحات ومواقع تواجدهما وتجمعاتهما الأساسية، داخل الوطن وخارجه؛ من الجليل شمالا وحتى أقصى الجنوب، ومن البحر غربا حتى نهر الأردن شرقا، وتلك هي الحدود التاريخية والطبيعية لنطاق مسؤوليات أي قيادة، ينبغي أن تتصدى لقيادة كفاح المجتمع الوطني الفلسطيني، على اختلاف أطيافه وتجمعاته، الأمر الذي يضع على عاتق أي قيادة تاريخية راهنة، مهمة توسيع آفاق قيادتها ورؤيتها لحدود مسؤولياتهاعن الوضع الوطني الفلسطيني، بكامل أقسامه السياسية والمجتمعية والجغرافية والديموغرافية، طالما أن الحركة الوطنية الفلسطينية تاريخيا، تناطح صراعيا حركة صهيونية استطاعت أن تفرض نفسها ممثلة لكل يهود العالم، وباعتراف قوى الهيمنة الدولية وإسنادها، وتوظيف تلك الحركة في مخططاتها ومشاريعها في بلادنا. وعلى أي قيادة تاريخية فلسطينية الآن وفي المستقبل، العمل على نيل اعتراف العالم كله بوجودها، وبشرعية وأحقية تمثيلها لكل فلسطينيي العالم.

  ودون ذلك درب طويل من المعاناة والكفاح، وخاصة في هذه الفترة الزمنية التي يدخل فيها مشهد المفاوضات، مأزقا إستراتيجيا، لم يعد من المجدي، بل من العبث استمرارها وتواصلها في ظل استمرار وتواصل الاستيطان، ما يضع على عاتق الوضع الفلسطيني تغيير قواعد اللعبة، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فلعبة التسوية، وليس مفاوضاتها فحسب، تتطلب استعادة الوضع الوطني الفلسطيني عافيته الكفاحية الوطنية، وفي الطليعة؛ استعادة وحدة قوى المشروع الوطني الفلسطيني، وتصليب قيادته العامة والميدانية، وانسجامهما وفق برامج موحدة عامة وخاصة، بحيث يجري التزامها من قبل كامل تشكيلة قوى الحركة الوطنية في كامل مساحة الداخل الوطني وفي الخارج، دون إقامة أي تعارضات بين أشكال النضال كافة؛ ومن ضمنه النضال السياسي التفاوضي في حال اتفاق الجميع على خوضه إلى جانب النضالات الشعبية السلمية والكفاحية المسلحة، ردا على هجمات وحتى تواجد المستوطين ومستوطناتهم وجيشهم المحتل لأرض الدولة الفلسطينية المفترضة. وعلى المؤمنين بإمكانية قيام الدولة نتيجة المفاوضات وحدها، ضمن نطاق أراضي العام 1967 مزاوجة كامل أشكال الكفاح، وبما يجعل حياة المستوطنين صعبة، بل مستحيلة، وجعل جيش الاحتلال يدفع أثمانا باهظة ومضاعفة، جراء تواجده وحمايته المستوطنين ومستوطناتهم ووجودهم الإحلالي فوق أرض الدولة. فهذا الكيان ذات الطبيعة الاستيطانية، لن يستطيع تبديل جلده، حيث أن الاستيطان إكسير حياته، وبدونه يضمحل أو يضمر ويموت، لهذا فإن "عقدة الاستيطان" ستبقى ملازمة لكل جولة من جولات التفاوض التي لن تنتهي حتما؛ سوى إلى الفشل.      

  إن المشكلة الأساس في نهج المفاوضات، أن أصحابه يعزلون ذواتهم عن الذات الجماعية لشعبهم، فلا يلقون بالا لنهج آخر، أو لأي نهج آخر؛ لا تعدم الساحة الفلسطينية وجوده، وإن بدا ويبدو ضعيفا ومشتتا وغير متماسك على برنامج وطني واضح، يحوز إجماعا أو أغلبية كبرى؛ حتى بين صفوف المؤيدين لنهج التفاوض. وهنا يبرز واضحا ذاك التباعد والتناقض الصارخ؛ بين نهج التفاوض الذي انقلب في نظر أصحابه وأعرافهم على اختلاف مواقعهم الطبقية، من حيز التكتيك إلى حيز الإستراتيجية، في حين بات الاعتراض كذلك؛ مجرد سلوك تكتيكي، لا يمتلك أي خطة إستراتيجية موحدة لقوى نضالية فلسطينية ينظمها برنامج كفاحي واحد، بدل هذا الانفراط والتفكك الذي نال وينال من كامل الوضع الوطني، بتأثير ودفع من وضع إقليمي ودولي، يشتغل لمصالح وتطلعات نرجسية خاصة، هي أبعد من تحقيق أي مصلحة أو تطلع من تطلعات الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

    

     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق