فجر ليبيا
وغروب الأوديسة
ماجد الشّيخ
بين فجر ليبيا المنتظر بزوغه
بانتصار الشعب وثورته ضد الطاغية، ورحيله من السلطة، وغروب الأوديسة بالكف عن
التدخل في تقرير مصير وحياة ومستقبل الشعب الليبي، نهر من الدماء وأكوام من
الدمار، وجرائم حرب مزدوجة، عمادها اللحم الليبي الحي، ذاك الذي لم يرحمه الطاغية
وكتائبه الأمنية الإجرامية، ولا طيران التدخل الأجنبي تحت مزاعم "حماية
المدنيين"، وفق منطوق قرار مجلس الأمن الدولي الذي أباح التدخل من عل، ودون
الهبوط بطائرات أو إيفاد قوات برية ونزولها على الأراضي الليبية.
ومهما يكن شكل التدخل الأجنبي وأساليبه ووسائله
القتالية التدميرية، فهو تدخل ملتبس، إن لم يكن منذ البداية، فربما يكون في سياقه،
إذ ليس هناك من إجماع داخلي – محلي في ليبيا – أو في الخارج العربي والإقليمي
والدولي، على تأييد أهداف التدخل أو رفضه، فالمصالح المرتبطة به ليست ملتبسة بأي
حال، وإنما هي أوضح وأفصح مما يمكن الإشارة إليه في مجال الاقتصاد أولا، والوضع
المالي الدولي المأزوم، خاصة لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما في
المجال السياسي ثانيا، عبر إعادة التأكيد على هيمنة واشنطن وإمساكها بأوراق
المنطقة وقضاياها، وكذلك عبر عقود التسليح والإعمار ثالثا، وما يمكن أن تجرّاه من
شبه احتلال وارتهان لليبيا ولثرواتها النفطية والغازية لعشرات السنين القادمة.
وهذا طغيان آخر يواصل طغيان واستبداد "الأسرة القذافية" طوال أكثر من 41
عاما؛ وها هي تشارف على الانتهاء من تدمير ليبيا؛ ككيان سياسي لم تنجح الدولة فيه
بفضل تلك الأسرة ذاتها، في تأسيس ركائز لها أو قيام مؤسسات حقوقية وقانونية
وقضائية، وهي تُترك اليوم وسط مجهول التصارع على السلطة داخليا، وتعمّد استدعاء
التدخل الخارجي، واحتدام الصراع للاستيلاء على ثروات ليبيا النفطية.
وها هو حصان
(طروادة) الخشبي الضخم، حسب وصف هوميروس له في أسطورته "الأوديسة"، يماهي
حصان القوة الأجنبية الطائرة جوا نحو ليبيا، وهي تدخل حرب خداع طارئة لحماية
المدنيين، على أرض واسعة وسع الصحراء الليبية، ولكن حين يجري التمكن منها، سوف
تنداح أهداف التدخل الغربي، كونها لم تكن "إنسانية" إلاّ شكلا، أما
جوهرها غير الإنساني فهو جعل النفط والغاز الليبيان رهينة الرهائن، مهما يكن شكل
وجوهر النظام السياسي القادم ما بعد القذافي.
هي فرصة تاريخية أخرى تتحقق للولايات المتحدة
من غير أن تحتسب، ومن دون عناء خوض غمار حرب خاصة بها، بهدف الخروج من أزمة مالية
عالمية، كان لها نتائج انحطت بالهيمنة الأميركية إلى الحضيض، منذ أن تفجرت
فقاعاتها العقارية في خريف العام 2008. وها هي فرصة التدخل الغربي
"المشروعة" بقرار من مجلس الأمن الدولي، تتيح لواشنطن "شرعية"
قطف ثمار ما يمكن للمصالح الإستراتيجية أن تحققه لصالح القائمين بهذا العمل
"الإنساني"، من دون أن ينجح التدخل في حماية المدنيين فعليا، فهؤلاء هم
ضحايا الحروب على الدوام، ولا فرق بين حرب "الداخل الوطني" ضد مواطنيه،
وحرب الخارج الغربي ضد ذات المواطنين.
وإذ يتوافر نموذجا اليمن والبحرين على عدم
تماثل مع ليبيا في شروط ومعطيات الاحتجاجات الشعبية، وإذا ما استدعت أيّ تدخل من
عدمه في كل منهما، فذلك يعطي مؤشرا هاما لأهمية المصالح الإستراتيجية لدى الغرب، منظورا
إليها من زاوية رؤيته الخاصة تجاهها، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من انهيار
جدار النظام الرسمي العربي، وتواصل تداعيه بعد نجاح الثورة الشعبية في كل من تونس
ومصر، وحتى يمكن التحكم بمجريات ما سيلي من ثورات شعبية وتداعياتها. وما التدخل
الغربي الحالي في ليبيا سوى واحدة من آليات محاولة التحكم بوجهة التغيير القادم،
بينما يبدو التدخل العربي في البحرين كذلك؛ واحدا من آليات الإبقاء على النظام،
على الرغم من ضرورات الإصلاح الدستورية التي ينبغي التعامل معها كمفتتح لحوار
منتج، يصلّب من وحدة وطنية، تحفظ حق المواطنية لكل مواطني هذا البلد. بينما يُترك
اليمن يتخبط بدماء أبنائه على أيدي أمنيي النظام، بحجة أن رحيل علي عبد الله صالح
سيفتح الباب أمام حرب أهلية، في وقت لم يتحدث أحد عن تدخل أية أطراف خارجية عربية
أو غربية، نظرا لشهادة فقر الحال التي يحملها اليمن، كدليل على فقره؛ وتقليلا من
المصالح الإستراتيجية التي يمكنها وحدها أن تسيل لعاب الطامعين.
وبالعودة إلى الشأن الليبي، فحتى وإن طالت حرب
الاستبداد الطغياني المحلي ضد شعبها، ومن دون أن ينجح التدخل الغربي في حماية
المدنيين فعليا، فإن الليبيين أولى بحماية مصالحهم الإستراتيجية، بما يليق بصنع
فجر المجد لليبيا الحرة، كدولة مدنية وديمقراطية مستقلة، وذلك ما لن يكون ممكنا
إلاّ بعد أن تغرب الأوديسة وأحصنتها الطائرة من سماء ليبيا، وهذا يعيدنا مرة أخرى
للتأكيد على أن إرادة الشعوب قادرة على الدوام على صنع فجر مجد يتسامى لبلدانها،
من دون الخضوع لنزوع إسبرطي على الهيمنة والعظمة الإمبراطورية التي لم تتم أصلا
عبر التاريخ، إلاّ عبر استعباد الشعوب والاستحواذ على ثرواتها، بالمشاركة أو على
الضد من أنظمتها الطغيانية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق