ربيعنا الديمقراطي
وحلم النهضة المؤجّل
ماجد الشّيخ
هناك في الواقع السياسي، وفي واقع
الفكر والثقافة السياسية ما يتغير، تماما مثلما هنالك في واقع الحراك المجتمعي ما يدفع
نحو التغيير؛ ليس فيما يتعلق ببنية العقل العربي، او ما يمكن تسميته بالبنية
الفوقية، وإنما كذلك فيما يتعلق بالبنى التحتية.
نعم هناك استحالة في العودة إلى الوراء، فما
يحدث يتجاوز في طبيعته الهبة أو الانتفاضة، نحو كونه ثورة تغييرية، تؤسس لنظام
سياسي ومجتمعي جديد؛ لا يكتمل دفعة واحدة. ومن طبيعة الثورات التغييرية أن لا تحدث
تأثيراتها أو تحولاتها مرة واحدة وبالضربة القاضية؛ هي جولات من التغيير المتواصل
التدرجي الذي يتم تحت تأثير الضغوط الشعبية وتواصلها.
إن إعادة تعريف السياسة، والثقافة السياسية هي
المهمة الأبرز اليوم، لمجتمعات تتحول بإيقاعات سريعة نحو الحرية، حرية شعوب هذه
المجتمعات في مواجهة أنظمة قمع استبدادية تقليدية ومحدّثة، رزحت طويلا دون أن
يسائلها أحد عما فعلت أو تفعل. وبانضباط قلّ نظيره اتجهت وتتجه هذه المجتمعات نحو
المطالبة بدولة قانون تسودها الديمقراطية، ونحو بناء وتخلّق مسار ديمقراطي جديد
وقواعد ديمقراطية متجددة، في مجتمعات تتجدد على وقع مطالبها الطبيعية وأهدافها
الثورية، حتى وهي تنادي بالإصلاح كفعل خلاق، يجري إنجازه على وقع ضغوط الجموع
الشعبية التي كسرت حواجز الخوف والصمت، وأقلعت بحراكها المجتمعي والسياسي بهدف
تفكيك النظام القديم، وإهالة التراب على سلطة بوليسية أمنية معادية لشعبها
ومجتمعها.
لقد أثبتت وقائع ومعطيات الحياة السلطوية في
بلادنا، أن ليس هناك من حزب حاكم أو قائد، لقد كانت الأحزاب المعنية مجرد أقنعة،
تحجب واقع سلطات هي بديل تلك الأحزاب، سلطات منعت السياسة وتحكّمت هي بكل مفاصلها،
وصنعت أمنا وأجهزة أمنية على مقاس احتياجاتها التسلطية، فلم يكن هناك مؤسسات؛ كما
لم يكن هناك أو لم يعد هناك مؤسسين. وما يسمى بالاستقرار لم يكن أكثر من هاجس أول
للسلطة، فكان الجمود والثبات على الهيمنة السلطوية ألف باء العمل السياسي بمفهومه
السلطوي، والمآلات الأخيرة لبنية نظام لم يعد قادرا على تحمّل كلفة الإصلاح
والتغيير، أو التأقلم مع واقع حركة شعبية شبت عن الطوق، ولم يعد بإمكانها التراجع
إلى الخلف، أو التوقف من دون تحقيق مطالبها وأهدافها، بينما يعجز النظام عن سحب
حجر واحد من مداميكه المهددة بالانهيار والتفكك، وتغيير أنماط العيش في أروقة
ديكتاتورية الفرد الواحد، أو ديكتاتورية طغمة نجحت في ابتناء ديكتاتورية سلطوية
أمنية، غالبا ما نجح النظام بالدفاع عن ذاته بصفته تلك، وبوصفه كذلك؛ أي نظام سلطة
بوليسية، له ما يوازيه من سلطة نخبة تغوّلت في تسلطها على السياسة، فامتهنتها
وأهانتها وسجنتها في أقبيتها وحجبتها عن الناس.
وإذا كانت الدولة الدينية كما تدعو إليها قوى
"الإسلام السياسي" دولة استبدادية بامتياز، بما هي دولة ملل ونحل، تحاول
التماهي عبرها بدولة حزب العدالة والتنمية التركي، وهي الأبعد عن نمط التراث
الثقافوي الإسلاموي السائد لدينا، أو دولة ولاية الفقيه الإيرانية، وهي الأقرب إلى
نمط الاستبداد الشرقي الآسيوي عندنا، أو تضاهي عبرها دولة الاستبداد العلمانوي
القوموية، كما خبرناها تتمظهر في أروقة بعض السلطويات الحاكمة في بلادنا، فإن
الحاجة إلى منطلقات الدولة الوطنية كدولة مدنية حديثة، دولة مواطنة ديمقراطية،
تتطلب عقدا إجتماعيا جديدا، تراعى فيه وبشكل أساس؛ موضوعة تداول السلطة من دون
إكراه، ومن دون إكراه كذلك ينبغي العمل على أن لا تكون الديمقراطية مسارا يقود إلى
تصنيع، أو تفريخ أنظمة إستبدادية بديلة لتلك الأنظمة التي عهدناها تتمظهر
بيروقراطيا عسكريا أو أمنيا، أو حتى بمظهر مدني علمانوي أشد بوليسية في تركيبها
الداخلي، حيث ملكت من المؤسسات ما لم تملكه أنظمة استبدادية أخرى، غطّت العديد من
الممارسات والمسلكيات الاستبدادية من دون أن تحجبها تماما.
وإذ يؤكد النهوض العربي الجديد للثورات
الديمقراطية الجارية اليوم، على حلم النهضويين العرب الذي تأجل طويلا، وأحقية
زرعهم في أن يثمر ويزهر ربيعا ديمقراطيا واتجاهات ليبرالية، تعيد الاعتبار لدولة المواطنة
المدنية الحديثة وعلمانيتها المرجوة، على حساب هذا البوار في زرع السلفيات – على اختلافها – وهي تحاول استعادة أنفاسها
لإنعاش أهدافها في الحط من ربيع الشعوب، ومحاولة سرقة إنجازاتها، للعودة إلى
محاولة "إثمار" دويلاتها المتمذهبة، مرورا بمعابر و"مطهر"
الحروب الأهلية وشقاقاتها وانشقاقاتها، بيد أن شعوبنا كذلك، وقد بلغت من العمر
عتيا، بما ملكت من الخبرات، وبما أضحى يؤهلها لمواجهة أنظمة استبداد سلطوية، في
مواجهتها ملكت من الحكمة للاحتكام إلى وطنيتها الموحدة، نبراسا يهديها سبل الخروج
من ظلمات الاستبداد نحو أنوار الحرية، هي الأقدر على ابتناء دولة قانون ومواطنة،
مدنية ديمقراطية هي لكل الشعب، لا لفئة من فئاته، أو نخبة من نخبه، أو طغمة من طغم
تزاوج المال والسلطة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق