الأحد، 10 يوليو 2011


الديمقراطية
 وسؤال الثقافة والهوية

ماجد الشّيخ

  في أرجاء العالم المختلفة، تتوزع العديد من التجارب الديمقراطية، منها ما ينتمي إلى ثقافة ناضجة، ومنها ما ينتمي إلى ثقافات متخلفة، لا يمكنها النهوض بالتجربة، قدر ما يمكن أن ينحط بها ومعها، لا سيما في بلدان تحكمها سلط استبدادية، تقيم مجرد ديكورات إنتخابية مُسيطر عليها، وهي عرضة للتزوير الدائم.


 وإذا كان النضوج الديمقراطي كنتاج لثقافة تربوية جادة، منسجمة في أنساق معيارية وغير معيارية، لكنها أمينة لمرجعياتها  غير النصيّة، في تعايشها المباشر مع خبرات الحياة اليومية، فقد كانت خليقة بأن تزيّن العديد من دول ومجتمعات في هذا العالم، إلاّ أنه وفي مناطق أخرى تتواجه أسس ديمقراطية ناقصة مع أشباه ثقافة أو ثقافات مؤدلجة، لا تقدم للديمقراطية إلا ما يحط منها ومن تجاربها، وينحط بها إلى حضيض مسلكيات فاشية.

  وفي بلادنا هناك أنظمة سلطوية اعتمدت استبدادها كطريق أحادي، للحط من قيم الديمقراطية وثقافتها، حين اتبعت أساليب ديمقراطية ناقصة لتشريع وجودها، و"شراء" شرعية ناقصة، لأنظمتها التي تفتقد شرعيتها أساسا، فكان سلوكها الفاشي هو طريقها الأوحد نحو تربية ناقصة، أو لا تربية ليست خليقة إلاّ بإقامة صرح ديمقراطية ناقصة بلا ثقافة.

  وإذا كان للسلطة من ثقافة، فهي ثقافة مضادة للثقافة، ولما تعنيه الثقافة من روح الجمال والحقيقة والنزاهة والصدق مع الذات ومع الآخر. السلطة هي نقيض كل هذا، وبالتالي هي نقيضة ذاتها، طالما هي لا تمتلك أي معنى من تلك المعاني كخصيصة للثقافة، أو أي مرجعية يعتدّ بها، فهي إذ لا تنتج معنى وجودها، أو تبرره في سياق سلوكها الإرغامي/العنفي، كذلك هي لا تمتلك لأزمتها أو لمجموع أزماتها سوى توجهاتها الأمنية الاعتيادية الملازمة لروح القمع. فأي إصلاح يمكن أن يُرتجى من سلطة لا تملك من معنى لوجودها السياسي غير المنتج سوى عطالة غيابها وغيبوبتها، وبالتالي عجزها عن إنتاج معنى لوجود أي أفق سياسي ممكن لوجودها واستمرارها؟.

  والديمقراطية كذلك، كتجربة عينية غنية، بلا ثقافة، بلا تربية يومية، بلا قانون أساس، لا تستحق تسميتها كذلك، وهي في كل الأحوال لا تقبل ما يضادها بالمطلق، سواء ما كان يصدر عن فرد أو مجتمع أو دولة. الديمقراطية بنية مستقلة من بُنى المجتمعات والدول، ليست خليقة بأي وصاية أو توجه أوامري من قبل أي سلطة. السلطة ذاتها يجب إخضاعها لتلك البنية، كونها وليدة ونتاج ثقافة مستقلة هي الأخرى، لا تابعة ولا خاضعة لأي وصاية داخلية أو خارجية.

  لهذا ومن زاوية مبدئية، لا يستطيع المثقف الحداثي إلاّ الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ، فإذا كانت الحداثة ثورة مستمرة، فإن الثورة حداثة تحوّلية، أو تحديث وتطوير تحوّلي يمتلك صفة السيرورة التاريخية، كانعطافة تحوّلية تعيد كتابة التاريخ انطلاقا من الحاضر، وإعادة النظر في الماضي، وكل إرثه التاريخي والتاريخاني الذي أعيدت صياغته وكتابته في ضوء ايديولوجيات الثيوقراطيات المختلفة والمتخلفة. وتعيد رسم خطوط عريضة للمستقبل بإمكانات ما يكون، لا بإمكانات ما كان من مجال عام، كانت سلطة الاستبداد تصادره على الدوام لترسم أفقا مختلفا لمجتمعها، ما يعني أن صراع الحداثة والثورة كجبهة متحدة وموحدة، مع كل ما يضادهما، ليس مهمة المثقف أو المجتمع أو الفرد العادي أو النخب؛ إنها مهمة جميع القوى التي تمتلك مصلحة في إرساء التحول التاريخي لمجتمعاتنا ودولنا، وما عدا هؤلاء وأولئك فنحن في مواجهة عناصر وقوى الثورة المضادة، التي يقف في مقدمتها ويقودها سلطة الاستبداد ذاتها، أو بقاياها أو احتياطيها من قوى أهلوية ودينية معادية لكل تحول تغييري في بلادنا، يزحزح ما ارسته ركامات الثقافات الوسيطة وأيديولوجيات الثيوقراطيات التي تعادي كل جديد، كونه كذلك، يريد زحزحتها وردم هوة قديمها القروسطي الذي لا يمكن أن يتجدد، وهو بالأصل غير قابل للإصلاح على أي صعيد.

  الثقافة ليست رهينة ما كان، بل هي الأفق المفتوح دائما على مستقبل ما سيكون من حداثات تبدعها المجتمعات والشعوب والدول الأكثر حيوية، وفق احتياجاتها الخاصة وخصوصيات بيئاتها المختلفة، من دون تبعيّة واتباع لماضيها ودواخلها المحلية، كما ومن دون تبعيّة واتباع لحاضر تتحكم به خوارج الهيمنة الإقليمية والدولية.  

  وإذا كانت الحداثة كانعكاس للتنوير، وكموضوع للتحوّل، قابلة للتداول بين أوساط الناس وأطرها الاجتماعية، إلاّ أنه لا يمكنهم بلوغها إلاّ بتأن، وفق الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، تأن في التحول التغييري، وفي سيروراته، وليس شرطا عبر الثورة أو العنف، لأن الثورة باعتقاده "قد تطيح الاستبداد الشخصي والاضطهاد المتعطش للمصلحة المادية أو السلطة، ولكن لا يمكن أن تؤدي أبدا إلى إصلاح حقيقي لنمط [أو أنماط] التفكير، بل فقط إلى استخدام أحكام مسبقة جديدة، مثلما كانت تستخدم القديمة كشريط موجه للأغلبية التي لا تفكر". وهذا تحديدا ما رآه عالم الإجتماع الفرنسي إدغار موران حين قال "إن فكرة التحوّل، تُبقي على التجذر التغييري لهذه الأخيرة، إلاّ انها تربطه بحماية الحياة وبتراث الثقافات".     

    ولأن السياسة هي من وما يقرر المصائر في المجتمعات الإنسانية، لذلك وجب تخليصها من براثن ومكبلات سلطات طغيانية استبدادية، تصادرها وتؤممها لمصلحتها الأشد خصوصية، واستعادة السياسة إلى أحضان الناس  هي مهمة مجتمعات ودول وشعوب حرمت منها طويلا، كما حرمت من بلورة وصنع أفكارها ورؤاها الخاصة لمستقبلها هي، حيث استبدت بفرضها أنظمة سلطوية وأهلوية ودينية، أبعدت كل "محكوميها" ورعاياهاعن تقرير مصائرهم في ابتناء مجتمع مدني، غايته ترسيم حياة سياسية ومواطنية ديمقراطية قانونية ودستورية يرتضي بها الجميع، أو الأغلبية التي تحوز من بين الجموع مهمة التقرير؛ تقرير مصائرها وسط مصادرات السلطة ولا أخلاقياتها. ولهذا أكد كانط أنه من أجل التنوير كفكرة وكممارسة تحويلية أو تحولية، "لا يتطلب الأمر شيئا آخر غير الحرية، وبالضبط تلك الحرية الأقل ضررا بين كل ما يندرج تحت هذا اللفظ، أي حرية الاستعمال العمومي للعقل في كل الميادين".

  ومن غير أن تستعيد الثقافة حريتها، والمثقف حريته في قيادة عملية الحداثة الفكرية والتنوير والنقد العقلاني لكل موضوعات وموجودات الحياة المجتمعية والبشرية الإنسانية، سيبقى الاستبداد بكل تمظهراته السياسية والمجتمعية الأبوية، يحاول هيمنته الإكراهية والإرغامية لمواصلة ذلك "الملك العضوض" الذي صارته السلطة في بلادنا عبر القرون، لا سيما في بيئات لم تعد تتملكها شروط "العبودية المختارة" تلك التي كانتها مجتمعاتنا الأهلوية والقبائلية القديمة.

    من قلب التحولات التاريخية وانعطافاتها الهامة، تتوالد اليوم ثورات شعوب داهمتها وعلى حين غرّة ضرورات حيازتها حريتها واستعادة كرامتها المُستلبة، وإعادة تعريف هويتها، في تجاوز لعقود من العيش في ممالك الصمت. ومن أجل العودة بالشعب إلى أن يكون شعبا موحدا، يتجاوز بدمه تقريرات السلطة الاستبدادية التي حوّلت بعض أكثريات شعوبها إلى أقليات إثنية وطائفية ومذهبية، فئوية ونخبوية، أغرقت بعضها في مهام أمنية رثة، حتى تحولت كسلطة إلى أكثرية وسط اقليات أو أقلويات متذررة، لا يجمعها سوى مشترك المعاناة والألم، بفعل استبدادات اضطهادية أوغلت تقطيعا في اللحم الحي للثقافة وللسياسة وللفكر السياسي، ومن ثم أوغلت تقتيلا في اللحم الحي لقوى مجتمعية مدنية تنحاز للدولة وللشعب، حتى باتت هذه كلها مجالا خصوصيا للاستباحة، استباحة السلطة لكل ما "ملكت" و"استملكت" طوال عقود القهر السلطوي الذي جادت به ثقافة "الملك العضوض".   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق