الجمعة، 30 مارس 2012


في بؤس اعتقاد الاستبداد الجماعي

ماجد الشّيخ

  بعد أيام يعود إلى موقع السلطة الأول، فلاديمير بوتين، كقيصر لا يُبارى في "تنظيم" حكم استبدادي ذا نمط آسيوي، مفترضا بتزوير أو بغيره، أن منتخبيه يعاودون سرديات قبولهم "عبودية مختارة" مع ما تحمله من رضا المحكومين بالسلطة المطلقة؛ التي هي بالبداهة "المفسدة المطلقة"، التي لا يرجى منها أي أمل بالإصلاح أو الانتقال التحوّلي أو التغييري نحو ديمقراطية تعددية حقيقية، أكثر ليبرالية مما كان يعتقد في عز إطلاق شعارات البيروسترويكا والغلاسنوست أواخر أيام حكم الحزب الشيوعي السوفييتي بزعامة ميخائيل  غورباتشوف. وإذ بنا اليوم أمام احتمالات نكوص مؤكد نحو الخلف، نكوص يعيد سرديات حكم القياصرة إلى روسيا، وحكم الاستبداد الآسيوي إلى العديد من أنظمة الفضاء السوفييتي السابق، وكأن حكومات الخلافة الوراثية أو التوريثية، هي النمط المعياري للسياسة في تلك البلدان، والسمة الغالبة للسلطة المطلقة هناك.


   وفي بلادنا يحصل الأمر ذاته، حيث لا تخرج أنظمة الحكم الاستبدادية عن معيارية تغييب السياسة، وتكرار أو اجترار "عبودية مطواعة" لحكم غير رشيد، جاء بالإكراه والغلبة، واستمر بقوة السياسات الأمنية والعسكرية والبيروقراطية، وبالبلطجة، والتشبيح الرسمي والرث، ويتحصن اليوم خلف شعارات أيديولوجية، وسرد مرويّات تاريخية مزورة، بل وتزوير تاريخ راهن نعايشه يوميا على غير ما تروي أنظمة استبدادية، تعيد تكرار واجترار سرديات ومرويات أنظمة "الملك العضوض" الأموية والعباسية التي نشأت وسادت يوما في ذات الأماكن التي نمت وتنمو فيها اليوم أنظمة الجمهوريات الاستملاكية/الاستعبادية، وإن ادعت علمانوية زائفة أو عروبة مزعومة، أو وطنية كاذبة، أو تاجرت بإسلاموية متمذهبة، يكثر أو يتعدد الذين يتماهون معها لأهدافهم الأنانية الخاصة، على الضد من روح الحرية والديمقراطية والحداثة والتنوير، وعلى الضد من وطنيات الداخل التي باتت مطلب الشعوب في مواجهة استبدادات تغيّب الشعوب من أجنداتها، مثلما غيّبت المجتمع الوطني/المدني والأهلي لصالح أهلويات تابعة للخارج، لا وطنية ولا مدنية.

  هكذا هي سلفيات بلادنا، حيث تتعيّش اليوم على أوهام ابتناء خلافة جديدة أو ثانية، في فضاء ثورات شعوبنا الوطنية الهادفة للتحرر من أنظمة استبداد طغيانية، لا قبل لمجتمعاتنا وشعوبنا بها في العصر الحديث، وإن شهدت ما يفوقها ظلما وطغيانية في العصور القديمة؛ خلافة تقفز على طبيعة الدولة وأدوارها وسماتها الخاصة والعامة، كمجال فضفاض لا تتولاه إلا إدارات لا علاقة لها بالمسؤولية الدولتية، أو تنتمي إلى فضاءات مجتمعية محددة بحدود الدولة الوطنية وداخلها الوطني، ليس فيها سياسة أو أي مجال عام، وتلك سمة خاصة وعامة في ذات الوقت من سمات الاستبداد الشرقي، الأوسع والأشمل من سمات ما تعورف عليها من طبائع الاستبداد الآسيوي القديم والمتجدد اليوم في إقطاعيات القياصرة الجدد، و"مالكي" رعايا جمهوريات "العبودية المختارة" أو تلك "المطواعة".        

   وإذ تنافح قوى "الإسلام السياسي" اليوم في كون السلطة، وقد آلت إليها في عدد من بلدان ثورات الربيع العربي، عبر فوز ساحق لبعض قواها وتياراتها غير المنسجمة، والمتنافرة في برامجها السياسية، وغير المتماثلة في رؤاها الدينية، واختلافها البيّن في تفسيراتها وتأويلاتها وقياساتها الخاطئة؛ تنافح كل هذه القوى من أجل سلطة أهلية وأبوية لها، تعتبر أنها وقد "عادت" إليها، وكأنها حق من حقوقها المقدسة الموازية لقداسات ليست كذلك، فأي استبداد مضاف هذا، في وقت هدفت ثورات الربيع العربي للإطاحة ببنيان الاستبداد الفردي والجماعي، الذي ابتنته سلطات الطغيان التي حكمت بعض بلداننا عدة عقود من السنين، قلبت كياناتها رأسا على عقب، و"هندست" عبر قواها الوليدة وسطوتها الطبقية والاجتماعية والسياسية التي بنتها طوال العقود السابقة، مجتمعات هجينة، عملت فيها تفتيتا وتفريقا وتقسيما، من أجل أن تقيم نظمها الاستبدادية الشرقية، في محاولة لتأكيد أو تأبيد سطوتها وهيمنتها.

  وها نحن مرة أخرى أمام "استبداد جماعي" آخر، يرى في ذاته "الحاكم بأمره"؛ حاكم يسعى إلى "أسلمة المجتمع"؛ أي تطيييفه ومذهبته، بمعنى تفتيته على أسس من "شريعة" ذاتية تتسم بطابع نرجسي، تناقض قيم الديمقراطية والحداثة والعدالة، وهي قيم لا يسعى إلى تطبيقها أي برنامج من برامج القوى الإسلاموية التي صعدت إلى السلطة، بتأييد أوراق عمياء "لا أدرية"، لا دراية لها بآليات العملية الانتخابية، عوضا عن ثقافة الديمقراطية. هذا الهبوط "الانتخابي" لا يقدم ولن يقدم لثورات الربيع العربي بما هي كذلك، وبما هي  وسيلة تحول تغييرية، أي وردة، بقدر ما يزرع الشوك في طريق سيرورات التغيير، ويحوّل الثورة إلى ثورات مضادة؛ لا تعد مجتمعاتنا إلا بالدخول إلى مجالات تمهد معطيات الواقع للغرق في قلب "التشريع" لمشاريع حروب أهلية، تعادي مصالح وتطلعات الناس والمجتمع والدولة، ولا تقدم لها أي إنجاز على درب الحداثة والتنوير، هذا الدرب الذي أصابته نتائج الانتخابات في مقتل؛ يحتم بل يضع على عاتق قوى المجتمع المدني وليبرالييها، وفي طليعتها قوى اليسار والعلمانية المنفتحة، تخليصه وتحريره من كل الشوائب التي تعلق به وتعتّم عليه، في ظل ظلامية طوائفية تتمذهب على الضد من فكرة الحداثة والمواطنة والحقوق الطبيعية، التي تواضع عليها البشر منذ بدء الخليقة. 

  لهذا ما لم يجر ترسيخ ثقافة الحداثة والتنوير والمعاصرة والديمقراطية؛ والتربية عليها، وتعلمن المجتمع والدولة في إطارها، وصيرورة معطيات حاضرنا أفقا لثورات الربيع العربي، فإنه لن يقيض لنا أن نشهد أي تقدم إلى الأمام، لا على صعيد السياسة، ولا على صعيد الاقتصاد الاجتماعي أو التنموي، ما يعني أننا لن نشهد كذلك أي خطوة إلى الأمام؛ فيما خص تطور المجتمع وتطوير الدولة، بقدر ما سنشهد نكوصا وارتدادا إلى مجموعة صيغ ماضوية سلفية، وذلك عبر هيمنة قوى تُمسك بلجام التقدم والحداثة استبعادا ومصادرة، فلا نجد في برامجها أدنى اهتمام جاد وحقيقي بالمستقبل؛ إلاّ من حيث هو صيغة لتثبيت هيمنة سلطة لها في فضاء المجتمع والدولة، إضافة إلى مجال هيمنتها الذي تعتبر أنه "الأقدس"، طالما هو نابع من فضاء تديّن تعتبره عموميا؛ وهو الأشد خصوصية، حيث "الأسلمة" من وجهات نظر تيارات التدين الإسلاموي على اختلافها؛ هو الهدف أو المآل الأخير للمجالات السلطوية التي انفتحت وتنفتح أمامها، جراء ربيع عربي يجري اغتياله موضوعيا، وعبر صناديق اقتراع هي الشكل المجرد لـ "ديمقراطية" يزعمون أنها ترياق "شوراهم"؛ وهم الذين احترفوا موضوعة جذب وشراء أصوات البسطاء، التي أعانتهم في الوصول إلى السلطة، بهذا الحجم الكاسح.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق