الأربعاء، 22 ديسمبر 2010


في أدلوجات العودة  
إلى تقديس الطواطم

ماجد الشّيخ

  هناك محاولات دائبة للعودة بالمجتمعات العربية إلى ما يُزعم أنه "أصولها" القبلية والعشائرية، بفرض أنماط أيديولوجية مطلقة، عمادها "هوية أحادية" جزئية أو فرعية، مقطوعة الصلة والجذور بما قبل،


 والأهم ما يجري التأسيس له لما بعد، والوقوف عند لحظة دينية إسلاموية، يراد تأبيدها، وجعلها أصلا مقدسا، طوطما تتعبّد عنده كل فرق "الهوية الأحادية" الهاربة من لحظة في التاريخ، لا لتقارب معطيات التحضّر، أو معاصرة تنوير يجدّد مقارباته في المنعطفات التاريخية، المصنوعة والمسبوكة من لدن بشر، يواكبون كل لحظة ما تستدعيه من تحولات متواصلة، ورؤى متناسلة، وأفعالا تتناسب وحيوية إنسانية لا تؤبّد أصلا موهوما لتقف عنده، داعية في كل المنعطفات واللحظات للعودة إليه، والتعاطي معه كطوطم أو كصنم أو كوثن مقدس.

    ولئن لم يوجد في بلادنا حركات نهضوية تنويرية، ذات طابع شعبي أو حتى شعبوي، جذرية ومتبلورة، فإن هذا لا يمنع من القول اننا شهدنا أشتات أفكار إصلاحية، إنحصر تداولها وانحسر في نخب ثقافية – فكرية لم تستطع ان تحوّلها إلى تيارات فاعلة داخل المجتمع نفسه، أيام كان المجتمع أكثر ليبرالية، وبالتالي عجزت عن صرفها وتحويلها وتداولها كمشروعات تربوية تثقيفية، وسط مشاعات المواقف الأيديولوجية التي ناقضت، بل وناهضت فكر وثقافة الحداثة المعرفية، ولا زالت تعيق حتى الآن التأسيس لأبعاد نظرية وعملية، تضئ على مناطق الفكر التاريخي العربي بشكل عام، وسلسلة المعارف العربية خصوصاً في تواصلها، كما في تفاصلها، وذلك كمحصلة للجهود المعرفية في بناء الأفكار ومعايير حداثتها، وما يرتبط بها من مفاهيم حداثية، تؤسس لتيار معرفي ثقافي فكري يتجاوز نخبويته، ويشق مجرى عميقاً في بحر الكينونة العربية، في مواجهة النظم التسلطيّة والثقافة التقليدية الانتقائية والتبجيلية والنقلية القديمة ذاتها، تلك التي ما فتئت تفعل فعلها، وفي اتجاهات نكوصية أعلى من السابق، في ظل هذا التذرّر والتشظّي المجتمعي والسياسي، والإثني، والطائفي، والمذهبي، الذي أضحى أكثر إنبثاثاً في بنية الحياة العربية الراهنة بشكل عام. 


  وإذ تحيل العودة إلى الماضي القروسطي، والاستجارة به لأجل إيجاد حلول لمشكلات الحاضر، إلى إبراز تشكيلة من محن العقل وإخفاقاته، فإن مثل هذه العودة إلى يوتوبيا الماضي تلك، تحمل في مضمرها الراهن، إستبعاداً للواقع وهروباً منه إلى يوتوبيا أخرى، تتحدّد في بوتقة نرجسيّة، تذهب في أدلجتها لذاتها ولمعارفها حدود نفي الواقع وحوامله الحقيقية، بعيداً من أي رؤية إستشرافية، أو رؤى نقدية عقلانية تنفتح على الراهن؛ خروجا من منغلقاتها على أدلوجاتها الخاصة. فالاختلافات البيّنة بين إشكاليات واقعنا العربي قديماً.. وإشكاليات الحاضر، وتفارقها البنيوي تاريخياً، أضحت تستوجب خلق مستحثّات الضرورة الأكثر إلحاحا، لإبداع معايير وآليات للرؤى الأكثر واقعية والأكثر حداثية؛ إنطلاقاً من الواقع العربي الراهن نفسه، وليس من أي تصورات ذهنية مجردة، ذات دوافع أيديولوجية في طابعها، ويوتوبية في آمالها وأحلامها وتطلعاتها.

  لقد انحكمت الشروط التاريخية لعرب الأمس، كما ولعرب اليوم، خضوعا دائما لأيديولوجيا لم تتعاصر يوما والواقع، إنّما دائما كانت مفوّتة، وفي واقع مفوّت بالأساس، لم يستطع وعلى امتداد تاريخه القديم والحديث أن يتجاوز شروط ومكبلات فواته التاريخي، الذي كان بمثابة النتيجة المنطقية لمسببات انحدار ونكوص دائمين، نحو الماضي القروسطي الذي يطلقون عليه زورا مفهوم "الأصل"، حيث يحلو للأصوليين بتهافتهم الدعوة الدائمة للعودة إليه.

  وإذا كان ثمة تزوير لما يسمى "الأصل" فالتزوير الأكبر والأشمل كان من نصيب التاريخ السابق على ما افترض أنه "الأصل"، وهنا كان التواطؤ الأكبر من نصيب أمة أو أمم بأكملها، ارتضت تزوير تاريخها السابق، وأخفته عن عيون الناظرين من الأحياء والبشر الأسوياء، لمصلحة "أصل" متخيّل وموهوم، يُراد اليوم إفناء حياة ألوف مؤلفة، بل الملايين من البشر في مجتمعات وأوطان متعددة من أجله، من أجل ما لم يكن إلاّ في تهويمات بعض الناس "أصلا" لم يكن موحّدا، لا و لا عمل على أن يكون موحّدا (بكسر الحاء).

  هكذا انتقل فقه التكفير من فضاء الممالك والإمارات الخليفية المزعومة والموهومة، إلى قفير الحارات وفقه التلمذة المتشدد، وقراء الزواريب الذين أحلّوا ذواتهم شيوخا، على طريقة شيوخ بعض "الطرق الانخطافية"؛ ممن فرضت وتفرض على أتباعها أنماطا معيارية؛ من تخلف وفساد الفهم والأفهام، حتى بتنا أمام أئمة في التزوير التأويلي، وأساتذة في التأويل التزويري.

  وبذا بتنا أمام مشهد فاقع في وضوحه، يؤشر نحو عملية اغتيال تاريخية للتنوير، وللثقافة، ولنشهد اليوم بمشهدية أكثر وضوحا، كيف انتقلت مجتمعاتنا من لحظة حلم بتنوير لم يتأسّس، إلى واقع انتهكت الأصوليات الدينية فيه كل بشائر الحداثة. حتى بتنا في مواجهة تحوّلات من أدلجة صارمة وصادمة في ذات الوقت، حوّلت الثقافة إلى كسر وأشتات من صيغ ومفاهيم قبلية، من قبيل ما قبل السياسة، وما قبل المجتمع، وما قبل الدولة، وما قبل الحداثة وما قبل التنوير، كل هذه "الماقبليّات" ليست نتاج ثقافة دينية موحّدة أو متماسكة، لم تكن كذلك يوما لا بالأصل ولا بالتهجين، بقدر ما هي وليدة تديّن تفتيتي/فسطاطي. وهذا بالتحديد ما لم ولن ينتج ثقافة ليبرالية متجانسة في أهدافها العامة، ترنو نحو الفضاء العام، لتلجّ في فضاءات تنوير حداثية، وذلك قبل أن تُطبق "السكرة المميتة"/القاتلة لقيم العدل والحرية والنزاهة. وقبل أن تغرقنا الأعراف والتقاليد القبلية القديمة، في بحار من التأسّي والحنين للعودة إلى.. تقديس الطواطم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق