قانون الاستفتاء
يغتال التسوية التفاوضية
ماجد الشّيخ
واهم من يعتقد أن دبلوماسية الرشاوي الأميركية
لحكومة اليمين الديني والقومي المتطرفة في إسرائيل، قادرة على تحريك مسار
المفاوضات المستعصية، او إيصالها إلى بلورة نتائج سياسية حاسمة، تفضي إلى استئناف
العملية السياسية في المنطقة، من حيث تريدها واشنطن وإدارة الرئيس أوباما فيها؛
منقذة لها من ورطة رهاناتها الخاسرة للخروج من أنفاق الحروب، وتدهور الاقتصاد،
والأزمة المالية المستفحلة أميركيا وأوروبيا، جراء معالجات لم تجد حتى الآن.
لقد راهنت الإدارة الأميركية على قبول إسرائيل
وحكومة اليمين المتطرف فيها للصفقة الإستراتيجية التي بلورتها، في مقابل هدف
تكتيكي لا يتعدى تعليق البناء في المستوطنات لتسعين يوما آخر، دون أن يكون هناك أي
ضمانة للوصول إلى "اتفاق سلام دائم كهدف قابل للتحقيق" بحسب نتانياهو،
طالما أن المفاوضات، وفي جانب رئيس منها، تجري بين إسرائيل والولايات المتحدة،
بانتظار انضمام الطرف الفلسطيني إليها في مرحلة لاحقة – متقدمة – بعد أن يحسم "المتفاوضان
الأساسيان"، بعض قضايا التفاوض كالقدس والحدود والمياه، في الوقت الذي تتسرب
فيه كل هذه لمصلحة تواصل واستمرار الاستيطان، وتهويد القدس، والسيطرة على منابع
المياه، والسماح للمستوطنين بالاستيلاء على المزيد من الأراضي، ومهاجمة أصحابها؛
وحتى طردهم منها.
وفي وقت أبرزت الصحف الإسرائيلية الانتقادات
التي وجهها "دان كيرتزر" السفير الأميركي السابق في تل أبيب، لصفقة
الرشوة الإستراتيجية، فإن الطرف الفلسطيني وعلى غرار الموقف من "يهودية
الدولة"، يحاول البقاء بعيدا من التدخل أو حتى إبداء رأي يعارض فيه ما يجري
على صعيد العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، التي تتفق على الطرف الفلسطيني، وتعمل
على الضد من مصالحه وتطلعاته الوطنية، حتى وإن كان هناك افتراق في هذه العلاقة،
فللأسباب ذاتها من الاتفاق على عدم منح الفلسطينيين كامل الحقوق التي أقرتها
وتقرها الشرعية الدولية، وشرعة حقوق الإنسان، وإرادات المجتمع الدولي، والتي يتوجب
الحصول عليها بموجب التسوية التفاوضية المفترض أنها متواصلة، ولو بتقطّع، بحسب
إصرار الإدارة الأميركية، وهي التسوية التي يحاول الإسرائيليون ومن خلفهم
الأميركيون، إفراغها من مضمونها. فكيف لا يكون للطرف الفلسطيني الرسمي علاقة
بمجريات مثل هذا الوضع، وكيف لا تكون "يهودية الدولة" بمثابة التدخل
العميق في الشأن الفلسطيني، في حين يريد "صاحب المولد الفلسطيني" النأي
بنفسه عن "التدخل" في شأن خاص من شؤونه المصيرية؟.
وطالما أن طبيعة التسوية والمفاوضات الجارية
بين الأميركيين والإسرائيليين، وأحيانا بالنيابة عن الطرف الفلسطيني، إنما هي تجري
لتحديد مستقبل الفلسطينيين في أرضهم، وعلى قسم من وطنهم التاريخي، فكيف لا يكون
للفلسطينيين رأي يعارض دبلوماسية الصفقات والرشوات التي يحاولها الأميركيون مع
حكومة يمين ديني وقومي متطرف، كبديل من سياسات التفاوض، لا سيما وأن الإدارة
الأميركية وغيرها تعرف أنه لا يمكن الوصول مع يمين كهذا إلى "حل وسط"،
طالما تغنّى به "يسار الوسط" من حزب العمل إلى حزب كاديما، وحتى حركة
"أنصار السلام الآن". فهذه الحكومة وائتلافها المتطرف من أحزاب اليمين
الفاشي، لا تريد سوى الحلول التي تنهج نحو أقصى اليمين، وذلك بالحفاظ على ما يسمى
"أرض إسرائيل الكاملة"، تحت سيادة "دولة يهودية" تمارس
التمييز العنصري، وتقوم بأعمال التطهير العرقي، أليس من واجب الفلسطينيين في هذه
الحالة الإعلان بصوت مرتفع عن رفض "صفقات الرشى الأميركية"، كما ورفض
"يهودية الدولة" سواء بسواء، والتدخل في كل شاردة وواردة فيما يخص كل ما
يتعلق بمصير ومستقبل الشعب الفلسطيني، لا النأي بالذات عن كل ذلك، وكأن ما يجري
على الأرض؛ لا يعني الشعب الفلسطيني أو من يتفاوض اليوم باسمه، فيما هو المعني
الأول بما تخطه صفقات اليمين الليكودي الأميركي – الإسرائيلي لمستقبل المنطقة،
وليس الجزء الفلسطيني المحتل منها في عام 1967.
ليس مفهوما ولا مبررا، كيف ينأى الفلسطينيون
بأنفسهم عما يجري في المفاوضات الجارية تحت الطاولة وفوقها، بين واشنطن وما تعرضه
على حكومة نتانياهو من صفقات، تتخطى بكثير مسألة تجميد الاستيطان لتسعين يوما،
فوفق مصادر إسرائيلية، فإن ما يجري قد يصل إلى حد إعلان حدود دولة فلسطينية ونشر
قوات أردنية على حدودها الشرقية. واستنادا إلى "موقع ديبكا" باللغة
العبرية، فإن إدارة أوباما تعهدّت لطرفي التفاوض الفلسطيني – الإسرائيلي تقديم
"خريطة نهائية لحدود دولة فلسطينية في غضون الـ 90 يوما"، أي مدة تجميد
الاستيطان.
لقد استبقت الكنيست كل أوهام العملية السياسية
التفاوضية وتسويتها الموعودة، بفرض إجراء اعتراضي له صفة القانون الملزم للحكومة،
وذلك حين أقرت وبالقراءة الثانية والثالثة "قانون الاستفتاء" بأغلبية 65
صوتا من أصل الأصوات الـ 120 في الكنيست، يلزم الحكومة بالعودة إلى الرأي العام الإسرائيلي
لأخذ رأيه في أي اتفاق تسوية في شأن الجولان والقدس الشرقية، ما سيحول وبشكل مسبق
دون الإقرار بتسوية تعتبرها الأغلبية الإسرائيلية مرفوضة، وهي بذلك كمن يضع العربة
أمام الحصان. وبالفعل فإن ما يستهدفه الائتلاف الحكومي الحالي، متسلحا بـ
"قانون الإستفتاء"، هو منع الإقرار بتسوية سياسية لمفاوضات تستهدف
بالأصل إنهاء الاحتلال، وإذ بقانون الاستفتاء العتيد هذا؛ ينتصب كصخرة كأداء لمنع
الحكومة من مجاراة أساليب التفاوض الأميركية؛ إلاّ إذا كانت تعمل وبوضوح لصالح
إسرائيل، ومنعها من المضي قدما للتوصل إلى تسوية تفاوضية مع الفلسطينيين، فأي جدوى
يمكن أن يبقى لتفاوض معروف مسبقا وسلفا آفاقه، ومآلاته المحكومة لمزاج الناخب
الإسرائيلي؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق