الخميس، 20 يناير 2011

هل هناك محطة خلفيّة لمفاوضات خفيّة؟



هل هناك محطة خلفيّة لمفاوضات خفيّة؟
توازي المفاوضات المتوازية
 والفشل برأسين!

ماجد الشّيخ

  بعد سلسلة إخفاق المفاوضات على اختلاف طرائقها وأساليبها، اضطر رئيس الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، إلى محاولة تبرئة نفسه من عرقلتها، قائلا أنها اجتازت بالنسبة له نقطة اللاعودة. وفي الوقت الذي كان يتّهم الفلسطينيين بأنهم لم يتقدموا بما يساهم ولو بتحريك المفاوضات خطوة واحدة إلى الأمام، كانت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يوم الرابع من كانون الثاني (يناير) الجاري، تكشف عن أن الفلسطينيين قدموا بالفعل وثائق حول جميع القضايا العالقة، إلاّ أن المسؤولين في حكومة نتانياهو، رفضوا الرد عليها أو مناقشتها؛ كما كانوا في وقت سابق، قد رفضوا حتى تسلّمها لمجرد الاطلاع عليها.


  وبالتوازي.. حمّل نتانياهو الإدارة الأميركية مسؤولية توقف المفاوضات، جراء وقوفها عند عقبة الاستيطان، حين زعم أن حكومته كانت مستعدة لتجديد فترة تجميد الاستيطان لثلاثة أشهر أخرى، غير أنه تلقى رسالة من الإدارة الأميركية بأن "ينسى هذه المسألة" حسب تعبيره. وذلك على خلفية "إيمان" الولايات المتحدة أن التجميد ثلاثة أشهر لن يؤدي إلى نتيجة إيجابية، بل سوف يؤدي إلى طريق لا نهاية له من التجميد تلو التجميد.

  ومهما يكن الموقف الحقيقي لنتانياهو، المستند إلى ائتلافه الحكومي المتطرف، من المفاوضات على اختلاف أشكالها ومراحلها، فإن جوهر ما تريد هذه الحكومة إنجازه، يبقى هو الهدف المعلن والمضمر في الآن نفسه، فالتهويد (للدولة وللأرض وللسكان) مسألة يقع العمل على تحقيقها تحت مرمى البصر والسمع. وهي المهمة الرئيسة لائتلاف حكومي يتوافق جماعيا على إبقاء إسرائيل، بل جعلها بالمطلق النسبي؛ يهودية بالمعنى السيادي لممارسة الدولة هيمنتها على "جغرافية الأرض" حتى في ظل وجود ديموغرافي مختلط.

  على أن محاولة إبقاء إسرائيل هي الكيان السيادي لما يفترض أنه "الشعب اليهودي" أو ما درج البعض على إطلاق تسمية "الأمة اليهودية" على كيان الاحتلال الاستيطاني الإحلالي، هي ذاتها محاولة منع قيام دولة أخرى ما بين البحر والنهر، أي منع قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما لعبة "تضييع الوقت" وتقطيعه، واستبعاد المفاوضات وتخريبها والمماطلة فيها، سوى محاولة مكشوفة لاستثمار هذا الوقت في عمليات بناء وتهويد وأسرلة العديد من مناطق القدس والضفة الغربية، مع الإبقاء على "كانتونات الوصاية" الفلسطينية كمناطق خاضعة وتابعة لإدارة أخرى تمثلها السلطة الفلسطينية، ولكن دون مستوى ممارسة السيادة الوطنية لدولة أخرى، ليست في العرف الإسرائيلي والأميركي ومن يواليهما من الأوروبيين وغيرهم، سوى "دولة ناقصة". أي دون مستوى الاعتراف بها كونها "دولة مستقلة"، وذلك على الرغم من مجموع الاعترافات التي حازتها أو تحوزها مسألة الدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران، وهي مسألة إن لم نقل أنها خارج السياق، فهي وبالتوازي مع محاولات التفاوض الجارية المتوقفة مرة، والمتحركة مرة أو مرات أجهضت خلالها، بمثابة خطوة أحادية لا يقرها الطرف الإسرائيلي، بتضامن من الطرف الأميركي، حتى أن نتانياهو لم يخف وجود دور منتظر للكونغرس الأميركي، لإجهاض خطة التحرك الفلسطيني، للوصول إلى اعتراف دولي واسع بالدولة الفلسطينية.

  ولأن المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، لم تفلح في اجتياز عتبة الفشل أو الإفشال الإسرائيلي – الأميركي المشترك لها، ها هي "المفاوضات الموازية" تأخذ اليوم طابع "الخيار البديل" النابع من رأسيها غير الموحّدين في رؤيتيهما لما يمكن إنجازه في نهاية المطاف، أو على أبعد تقدير حتى أيلول (سبتمبر) المقبل. فلا ميتشيل ولا دينيس روس المكلف بحث الجوانب الأمنية من المفاوضات، يمكنهما أو بمقدورهما إنجاح "المفاوضات الموازية" بإيصالها عتبة إنجازها مسارا فلسطينيا محكوما بالإخفاق على الدوام، كون كل ما يجري على هذا المسار ليس أكثر من مماطلة وتقطيع وقت وإضاعته، حتى تنجز الجرافات وعمليات التهويد والأسرلة مهامها المحددة، في إفقاد مسألة الدولة الفلسطينية كل أساس قانوني حقوقي أو سياسي أو سيادي لها، لا سيما وأن الوضع الفلسطيني لم يعد يمتلك مقومات مناعات انهارت منذ زمن، ولم تعد تلبي ولو مستوى القليل من الطموح في إنهاض الوضع الوطني الفلسطيني، كونه يمتلك سمات حركة تحرر وطني لم تنجز أهدافها بعد، وقد جرى إغراقها في منازعات سلطوية قاتلة.

  هكذا تتضافر العوامل الذاتية القاهرة، مع عوامل موضوعية مفروضة، وموازين قوى مختلة تماما لمصلحة الأطراف المعادية، في الحط من شأن قوة الطرف الفلسطيني المفاوض، بينما ترزح مزاعم المقاومة عند خط فاصل، لا يعبأ بتقوية وضع وطني  فلسطيني موحد، ذا اتجاهات وتوجهات إستراتيجية، في وقت يواجه الفلسطينيون منقسمين هجمة سياسية مضادة على طاولة "المفاوضات الموازية" برأسيها، من دون تلمّس وجود أي أثر لها في الواقع السياسي، وهجمة عسكرية عنيفة متصاعدة ومتدحرجة، تشن هجماتها بالتقسيط إلى حين نضوج وضع دولي يقتنع بمبررات حرب "رصاص مصهور" رقم 2 على قطاع غزة. وحينها لا بد من توقف أي شكل من أشكال المفاوضات، في حين تكون بلدوزرات الاحتلال وجرافاته تواصل مهامها للاستيلاء على المزيد من الأرض، في وقت تستمر فيه عمليات طرد وإغلاق بيوت ومناطق في القدس، مقدمة لأسرلتها، وتهويد عدد من مناطق الاستيطان الجديد في الضفة الغربية. وهنا مربط فرس التغييرات الأهم التي يحاولها الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، كخطوة نحو الألف ميل التي يراد بلوغها في سباق ماراثون "يهودية الدولة"، وإفقاد الفلسطينيين حق عودة لاجئيهم إلى ممتلكاتهم في الديار التي هجّروا منها في العام 1948، وإجبارهم على الموافقة على الترتيبات الأمنية المقترحة من جانب الطرف الإسرائيلي.

   وفي كل الأحوال، هناك تواطؤ مكشوف على ما مفاده؛ مواصلة هذه الحكومة الائتلافية الإجماعية الإسرائيلية – اليمينية المتطرفة – على سياسة فرض الوقائع التهويدية وضم المستوطنات الكبرى، ومواصلة الاستيطان في مناطق جديدة، وتهويد وأسرلة القدس كعاصمة لـ "دولة يهودية". أما دور الولايات المتحدة في هذه العملية، في القلب منها وعلى هامشها، فهو توفير الغطاء الزمني والسياسي لها، فيما هي تنشغل في ترتيب أوراق المنطقة، من السودان إلى لبنان وعموم مساحة الشرق الأوسط المبتلي بالإرهاب، علاوة على انشغالها بحروبها الخاصة وغزواتها التي طال انتظار إنهائها في العراق وأفغانستان، بما يحفظ ماء وجه هذه الإدارة التي غامرت وتغامر بسمعتها، جرّاء إخفاقاتها المتواصلة إلى حد خسارتها الانتخابات النصفية للكونغرس، وها هي تقامر في محاولة لتحسين وضع سياساتها الاقتصادية، من دون أن تفلح في تقديم إنجازاتها هدية على طبق خروجها من محنة أحاديتها القطبية، وسكك عولمتها التي انقلبت إلى الضد مما كانت تأمله، وهي لذلك بالتحديد لم تجد سوى صيغة مبهمة لتواصل المفاوضات على المسار الفلسطيني؛ صيغة "المفاوضات الموازية"، مستعينة في هذا الاتجاه بدينيس روس، في رهان يعوّل على إمكانية أن "يشيل الزير من البير"؛ إلاّ إذا كان هناك محطة خلفية لمفاوضات خفيّة، لن تقود في مطلق الأحوال إلى نتيجة، يمكن الإعلان عنها وعن صيغتها على غرار محطة أوسلو، فتعقيدات التسوية على المسار الفلسطيني باتت من النوع الذي يستحيل كسرها، لا سيما ونحن في مواجهة حكومة ائتلافية ليست التسوية الانتقالية، أو المؤقتة، أو الدائمة، من بين أهدافها، حتى ولو استمرت بالتفاوض عشرات الأعوام المقبلة.           

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق