لبنان: بين حسم التكليف
وصعوبات التأليف
كتب
ماجد الشّيخ
مهما تكن نتائج الاستشارات النيابية الملزمة،
لتكليف من يشكّل الحكومة المقبلة في لبنان، خاصة بعد توقف كامل الوساطات الخارجية
(السورية – السعودية والتركية – القطرية) تعود الأزمة
اللبنانية لتفتح جروحها من جديد على أكثر من احتمال، حتى ذاك الذي قد يمدّد عمر
التأزم ربما لأشهر قد تطول، من دون أن يلغي إمكانية استعادة الوسطاء لأدوارهم في
وقت من الأوقات، حين يحتدم الصراع السياسي؛ لتبدو الأزمة مستعصية على الحل، وتنسدّ
الطرق أمام إمكانية استعادة السلم والاستقرار الأهليين، في ظل مستوى من صراع معقول
ومقبول، وفق ترسيمات وسمات الحلول التوفيقية أو التلفيقية التي اعتادت المسألة
اللبنانية المراوحة في ظلها، أو الانتقال منها وإليها، من دون حل أو علاج نهائي،
تستوي بموجبه طبخة الحلول التسووية الداخلية، من دون تدخّل أو تداخل خارجي، ليست
هي ولا أطرافها على اختلافهم بريئة أو مبرأة من الغايات والاتجاهات والتوجهات
المتضادة فيما بينها.
وحتى في حال جرى حسم مسألة التكليف، رغم
التوقعات المتباينة بصعوبتها أو بسهولتها خلال الوقت المحدد لها في إطار المشاورات
النيابية، تبقى مسألة التأليف على صعوبتها كذلك، مجال الأخذ والرد والقصف السياسي
الداخلي المتبادل، في ما يتجاوز حدود تشكيل الحكومة المقبلة، فما فتئت قضايا من
قبيل: سلاح المقاومة والمحكمة الدولية وتمويلها والتعاطي معها، والعديد من مسائل
فرعية تختص بالوضع الداخلي والعلاقات البينية بين أطراف الداخل، والعلاقة بسوريا
وتشابكها مع الوضع الفلسطيني؛ كل هذه مسائل خلافية ليس من السهولة التوصل إلى وضع
تذليلها كعقبات، يمكن في أعقابها استعادة علاقات طبيعية بينية داخليا، أو حتى مع
الخارج الإقليمي أو الدولي.
وفي وقت يبدو فيه أن المعارضة يمكن أن تكون قد
ضمنت حسمها لوضعها، وذلك باتجاهها نحو تشكيل حكومة تؤكد أنها لن تكون من لون واحد،
في ضوء إعلان رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط موقفه النهائي المتمثل
بتصويته والنواب الذين "يمون" عليهم إلى جانب المعارضة وسوريا، ما يعني
أن العدد ربما يكون كافيا لتكليف المعارضة بتشكيل الحكومة، وبالتالي انتداب مرشحها
لهذه المهمة. وهذا قد يعني ترجيحا لكفة الموقف السوري الذي يميل إلى ترجيح كفة
المعارضة، انطلاقا من اعتقاد عدد من الأطراف اللبنانيين – ومن ضمنها جنبلاط – بأن
الولايات المتحدة، ليست في وارد القطيعة التامة مع دمشق في هذا الوقت تحديدا.
بينما بدأت تتوافر العديد من المؤشرات التي مفادها أن المحكمة الدولية ليست نهاية
مطاف العلاقات الإقليمية والدولية، وهي على الرغم من إصرار واشنطن وعواصم الغرب
الأخرى المؤثرة في المنطقة، على أن تأخذ مجريات المحكمة طابعها الإجرائي، من دون
أن ينعكس ذلك على الوحدة الوطنية في لبنان – بحسب جنبلاط – وبالتالي فإن واشنطن
تسعى نحو هدف واضح يحقق بعض هواجس إسرائيل الأمنية في الشمال الفلسطيني المحتل،
وذلك عبر الحد من نفوذ حزب الله في المنطقة، وهذا ما لن يكون ممكنا إلاّ عبر إيران،
أو من خلال سوريا؛ بالاتفاق على أهداف إقليمية، تمتد من العراق إلى لبنان وفلسطين.
وإذا كانت المعارضة قد كسبت الجولة الأولى،
بإسقاطها حكومة سعد الحريري، فإن انحياز جنبلاط إليها، قد أعطاها إحساس كسبها
الجولة الثانية المتمثلة بالتكليف الذي وإن انتهى لمصلحتها، فهذا ليس بالضرورة من
النوع الذي قد يساعدها على حسم ميزان القوى نهائيا، لمصلحة المضي في التكليف، حتى
انتهاء عملية التأليف الذي قد يستغرق زمنيا ما لا تحمد عقباه من تأزيم أوضاع
الشارع المأزومة أصلا . ناهيك عن أن الأجواء العامة داخل بيت الوسط (مقر الحريري) وفق
أنطوان الحايك في النشرة الألكترونية (22/1) لا توحي على الإطلاق بأن رياح التكليف
تجري بما تشتهيه سفينة الحريري، بل ترى أن العاصفة التي هبت من كليمنصو (مقر جنبلاط)
هذه المرة، باتت كفيلة بقلب الطاولة، خصوصا أن جنبلاط لم يكتف بالوقوف العلني إلى
جانب المعارضة وسوريا، بل كشف أن الحريري كان قد وافق على التسوية السورية –
السعودية، ووافق على مضمونها، وإن لم يستطع توقيعها، وهذا ما يحمل الحريري مسؤولية
الفشل على الصعد كافة.
ومهما قيل عن طبيعة التسويات القادمة، فإن
التوافقات الطوائفية والمذهبية والمنفعية، المرتبطة بهذا المحور الخارجي الإقليمي
والدولي أو ذاك، لا يبقي لها سوى الحراك وسط الرمال المتحركة؛ ليس في لبنان فحسب،
ولكن في المنطقة بكاملها وفي العالم. ومسألة التكليف والتأليف لا تخرج عن هذا
الإطار، حتى وهي تُحسم لصالح المعارضة، واتجاهها لتشكيل حكومة من لون واحد، ليس
منسجما ومتماثلا بالكامل على أهداف سياسية واضحة، فكما الموالاة كذلك المعارضة؛ لن
تجد الطريق نحو تشكيل الحكومة أكثر سهولة، نظرا لتعدد أطرافها واختلاف وتفارق
أهدافها البينية وعدم تطابقها بالكامل.
وبانتهاء معركة التكليف مساء يوم أمس الثلاثاء،
وبدء معركة التأليف صبيحة هذا اليوم (الاربعاء) يكون لبنان قد دخل معترك جولة غير
محسومة مسبقا، ربما نظرا لاتجاه بعض النواب للتصويت بورقة بيضاء، ما قد يرجّح أو
لا يرجّح فوز هذا الطرف أو ذاك، بتشكيل حكومة يُفترض أنها لبلد منقسم على ذاته من
داخله، وبدفع من قوى خارجية؛ يريد كل منها اصطفاف لبنان إلى جانب مشروعها، لكن هذا
البلد محكوم بالتوافق وبالتسويات التي لا بد لها من إنهاء عنف الصراعات السياسية،
للدخول مجددا إلى رحاب صراعات هادئة وناعمة، كبديل من مغامرات إنتحارية، ملّها
الشعب اللبناني وملّ سياسييه الذين أثبتت تجارب تعاطيهم مع شأن بلدهم الداخلي
وكأنهم آتون من كوكب آخر، وما يهمهم سوى مصالحهم الخاصة في معزل عن مصلحة الوطن
ووحدته المجتمعية الوطنية، الأمر الذي يحتّم الاتعاظ من تجارب تركيب وفرط
الحكومات، لا سيما في زمن غير الزمن الذي كان فيه البلد محكوم لتلفيقات تسووية، فقدت
إمكانية اجترارها وفق سيناريوهات قديمة معادة ومكررة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق