الثلاثاء، 22 فبراير 2011



حكومة نتانياهو رافقت مبارك خطوة بخطوة
قواعد اللعبة السياسية
 أمام متغير إستراتيجي عميق

 ماجد الشّيخ

 وتسقط قلعة أخرى من قلاع الاستبداد السلطوي، ويسقط صنم آخر من أصنام الديكتاتوريات التي حكمت شعوبها بحديد وسلاسل السجون، وفنون المآسي ومعاناة التعذيب، ونيران التدمير التي أشعلتها أنظمة انفصلت عن شعوبها، وهي ذاتها النيران التي حاول أشياعها وبلطجييها إشعالها في كل مناطق البلاد، التي لم تعد خاضعة أو خانعة لسلطة الطغيان.


 هوى طاغية مصر بالطريقة التي لم يردها لا في البداية ولا في اللحظة الأخيرة التي بدا فيها مكابرا، وهو يعلن تسليم جزء من سلطاته إلى نائبه المعين عمر سليمان، ليعلن هذا الأخير وقبل مرور 24 ساعة على الخطاب الثالث لمبارك، أن هذا الأخير يسلم سلطاته إلى المؤسسة العسكرية، بعد 30 عاما من "ملكيته الخاصة" للرئاسة التي كانت تنفصل عن الواقع، لتحلق في فضاءات من التبعية الكاملة لخارج إقليمي ودولي.

  هو الزلزال إذا، ذاك الذي سيعرض الشرق الأوسط برمته، إلى ارتدادات حراك شعبي وسياسي واقتصادي واجتماعي، يغيّر من خريطة التحالفات، في إرساء لتحالفات جديدة، ولمعطيات وضع سياسي وربما عسكري جديد، يقف في طليعة من يخشاها ويقلق من قادم أيامها؛ كيان الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وكل المراهنين على مفاوضات عبثية لا أفق لها، بحيث بدت حكومة نتانياهو تعيش حالة من الترقب والانتظار لحسم المصير الذي يمكن أن يؤدي إليه نظام مبارك في مصر، كونه النظام المحوري – المركزي الذي كفّ عن التدخل في مجريات الصراع في المنطقة، منذ أكثر من ثلاثين عاما، إلاّ بشكل سلبي، ولمصلحة القوى المعادية، ما أتاح لدول محورية أخرى كإيران وتركيا، أن تبرز أدوارا لها على حساب أي دور عربي آخر.

  ومهما تكن خلفيات الأدوار المركزية أو المحورية التي سمحت لإيران ومن بعدها تركيا، بلعب "أدوار بديلة" عن دور عربي يضمن لشعوبنا العربية تقرير مصائرها، ومصائر قضاياها بأيدي قواها الشعبية الأكثر قدرة على التعبير عن تلك القضايا، فإن حضور مصر في مستقبل قريب، في أعقاب سقوط مبارك، ونظامه في مصر المحروسة التي لعبت دور الحارس الأمين الأكثر حرصا على "أمن إسرائيل"، لا يزلزل "شرق الأنظمة" فحسب، بل هو يصنع الأمل ويزرعه، ويسهر على حراسته في ظل "شرق أوسط شعبي"، من همومه الرئيسة؛ إعادة منطلقات ومبادئ الصراع مع داخل كومبرادوري متغوّل ومتوحش، ومع خارج إقليمي ودولي معولم، أكثر توحشا وليبرالية يمينية ومحافظة، وتصحيح مسارات هذا الصراع، بحيث تستعيد القضية الفلسطينية ألق أولويتها القومية، وقبل ذلك استعادة الدواخل العربية؛ مصادر قوتها التي دمرتها الأنظمة الحاكمة، على مذبح استطالات سلطات استبدادها، وانسياقها خلف هدف تفتيت وتشظية مجتمعاتها، وهي تراها تتحول إلى فسطاط مذهبي وطائفي وإثني وعرقي، تؤثر فيها قوى خارجية معولمة، لا قضية لها ولا هم لها سوى تحقيق تلك المذهبة؛ المجتمعية والسلطوية المدمرة للدول وللشعوب وللأوطان.

  وحده الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف، بزعامة نتانياهو – ليبرمان، من كان يسعى منذ البداية إلى حث الولايات المتحدة على إسناد ودعم نظام يتهاوى؛ تحت ضغط الثورة الشعبية. وقد بدا واضحا وفقا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، أن زيارة وزير الجيش إيهود باراك لواشنطن في منتصف الأسبوع الماضي، تركزت على صيغة جوهرية واحدة، لم تستطع إدارة أوباما الوفاء بها، أي العمل على تخفيف الضغط عن مبارك ونظامه، من أجل الحفاظ على استمراره في سدة الحكم، في انتظار انتقال آمن ومنظم للسلطة، بما يضمن المصالح الإسرائيلية مع النظام وفق اتفاقيات كامب ديفيد.

  ومن الانتقادات شديدة اللهجة التي وجهها الإعلام الإسرائيلي وحكومة نتانياهو إلى الإدارة الأميركية، ما نقله المحلل السياسي في القناة الأولى الرسمية "إيهود حيمو" عن مصادر مقربة من رئيس الحكومة "أن إسرائيل تنظر ببالغ الخطورة والقلق لتعامل أوباما مع الملف المصري"، مشيرا إلى "أن إسرائيل تعد ذلك أخطر حتى من سقوط نظام مبارك". ويرى حيمو واعتمادا على مصادره، "أن الجيش المصري يريد تحصين اتفاقية السلام مع إجراء بعض التعديلات عليها، الأمر الذي سيلزم إسرائيل بإحداث تغييرات جوهرية في استراتيجيتها السياسية في منطقة الشرق الأوسط".

  عموما.. ورغم الصمت الرسمي، فإن الكثير من المحللين وكتاب المقالات، بكوا وتباكوا على رحيل مبارك، واعتبروا ذلك خسارة فادحة لإسرائيل. وحسب ما نقلته بعض الصحف، فإن حكومة نتانياهو رافقت مبارك خطوة بخطوة، وكانت على اتصال معه حتى اللحظات الأخيرة، حيث راهنت على بقائه، وسعت إلى تثبيت نائبه عمر سليمان خلفا له. وكتبت صحيفة معاريف (12/2) أن وفدا أمنيا إسرائيليا رفيع المستوى زار القاهرة قبل أيام، واجتمع بالرئيس مبارك قبل خطابه الأخير (الثالث) دون أن تكشف الصحيفة عن فحوى الإجتماع، لكنها لفتت ونقلا عن مصادر إسرائيلية كانت تترقب وتتابع تطورات الأحداث في مصر "لم نصدق حقيقة أن مبارك قد يتنحى ويستقيل".

  وردا على رهان إسرائيل ببقاء ركائز نظام مبارك – بالإشارة إلى بعض ضباط الجيش – أكد السفير الإسرائيلي السابق بالقاهرة تسفي مازل " أن نظام مبارك انتهى بلا رجعة، والجيش سيحكم مصر لسنوات، ما سيضع إسرائيل في ظروف صعبة وحرجة وأمام مشهد من العداء". وأضاف في تصريح لصحيفة يديعوت أحرونوت (11/2)، أن ما حدث بمثابة زلزال ضرب الشرق الأوسط، فمن يدري إلى أين تتجه مصر، التي ستغيب عن الساحة السياسية، فإسرائيل ستصارع منذ الآن إيران وتركيا، ومن يعلم أين سيكون الانقلاب القادم؟.

  وإذ اعتبرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن العام 2011، سيكون بمثابة هزة أرضية للقضايا السياسية والأمنية، حيال ما سيحصل في منطقة الشرق الأوسط، كتب إليكس فيشمان أن الاستخبارات العسكرية بالجيش ترى بالعام الحالي مرحلة مفصلية، بحيث ستحسم الكثير من القضايا، وأبرزها الملف النووي الإيراني، مشيرا إلى أن التطورات تستلزم استعدادا عسكريا وسياسيا لمنع تحولها إلى تهديدات إستراتيجية. وأكد أن الأحداث الحالية "كانت بمثابة مفاجأة مضاعفة للاستخبارات الإسرائيلية" التي لم تتنبأ بأحداث مصر، "وحجم العداء الشعبي لمبارك ونظامه"، ولم تتوقع ما أسماه "جوهر رد الفعل القوي للإدارة الأميركية المناهض لمبارك ونظامه".

  وهنا تشير صحيفة معاريف (11/2) إلى أن أجهزة الاستخبارات أخفقت في التنبؤ بالثورة المصرية، وعليه لا بد من إقامة لجنة تحقيق لفحص أداء وعمل منظومة الاستخبارات. وكان رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية في الجيش أفيف كوخافي، وقبل أسبوع من اندلاع الثورة، قدم للجنة الخارجية والأمن البرلمانية مذكرة خاصة عن مصر، أكد من خلالها أنه لا يوجد أي خطر يتهدد استقرار نظام مبارك.

   من هنا مباشرة الاستخبارات الإسرائيلية بهيكلة منظومتها من جديد، وبشكل يتلاءم مع الحراك الجماهيري العربي، وساحات النضال والمعارك التي يشنها الشباب العرب ضد الأنظمة الاستبدادية على شبكات التواصل الإجتماعي. ونقل عن يوفال ديسكين رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) قوله أن اجتماع التكنولوجيا وشبكة الإنترنت والتواصل الإجتماعي، أصبحت تسرّع في إحداث تغييرات سياسية واجتماعية في بعض الدول، وعليه؛ فإن قواعد اللعبة قد تغيرت.

  فعلا لقد تغيرت قواعد اللعبة السياسية في بلادنا، وفي المنطقة عموما، وفي العالم؛ فلم تعد أدوات السيطرة والقمع والإرهاب التسلطي والاستبدادي للأنظمة، قادرة على لجم التطور التقني والتكنولوجي الخارج عن سيطرة صانعيه، فباتت مادة الثورة وأدواتها الشبابية، واحدة من أدوات تغيير ممكن، وسط المستحيل الذي أشاعته أنظمة الاستبداد التسلطي وقوى الإرهاب المعولم، وباتت الدولة المدنية الممكن الوحيد على أنقاض الدولة البوليسية، وأوهام الدولة الدينية، ومزاعم خلود كيان الاستيطان الاستعماري في فلسطين، في "هيمنة انتصارية" تواصل مفاعيل هزيمة حزيران واتفاقيات الذل والعار.    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق