ماجد الشّيخ
لا يبدو أنّ مشكلة الوجود المصيري
– بالمعنى التاريخي – لإسرائيل؛ ككيان عسكري إستيطاني
إحلالي، سوف تشهد المزيد من عوامل الإنزياح المفترضة؛ في ظل الوضع الراهن، فما
زالت مشكلات الوجود تلك هي ذاتها، طالما أنّ أكثر من ستين عاما من التواجد في قلب
المنطقة، ورغم التّفوّق النوعي والدعم الغربي الشامل، لم تستطع أن تطوّر أو تساعد
في تطوير نظام سياسي أو مجتمع سياسي طبيعي، مقبول من قبل "جيرانه"،
وبالطبع ليس من قبل من إستولى على أراضيهم، وهيمن على حياتهم ووجودهم، سواء من بقي
منهم داخل الوطن، أو من شرّدوا قسرا، بقوة وقهر المجازر والتطهير العرقي الذي لجأت
إليه الحركة الصهيونيّة، في سنوات أواخر الأربعينات من القرن الماضي.
إنّ فشل المشروع الصهيوني في
توفير الأمن اللازم، لمن إعتبروا أنّهم المادة الحيويّة لهذا المشروع، الذي زُعم
أنّه أقيم من أجلهم، وهي كتلة يهود العالم التي يجري توظيفها واستعمالها؛ أداة
لخدمة أهداف، تتعدّى المشروع الصهيوني، إلى إتجاهات تقع في مركز خدمة المشروع
الإستعماري الغربي في بلادنا، هذا الفشل ما فتئ يراكب أسبابا أخرى فوق أسباب الفشل
القديمة، التي تجسّدت بالفشل في إفراغ الأرض الفلسطينيّة من مواطنيها الذين بقوا
شوكة في حلوقهم.
على أن هزيمة المشروع
الإستيطاني الصهيوني في فلسطين، لا يمكن لها أن تتم؛ دون هزيمة ناجزة للمشروع
الإستعماري الغربي، المدافع والحامي الأبرز والشرس عن إسرائيل، ككيان؛ لم يكن
دينيا بالأساس، ولا هو ورغم مرور أكثر من ستين عاما على قيامه نجح في أن يمسي
قوميّا البتّة، وما الانحياز إلى عصبيّة القوّة الهمجيّة في تطويع التدّيّن
التوراتي وتوسّله، وصولا إلى غايات إنشاء المشروع وإنجازه، سوى واحدة من تقليد
سلوك عقليّة الإستشراق الإستعماري، وصولا إلى عقلية ركوب الموجة العولميّة
الجديدة، في مساعي أسيادها القدامى والجدد الحثيثة للإطباق على كامل عناصر القوّة
والثروة في المنطقة والعالم أجمع. وعلى ما ذهب هيغل يوما فقد "بات الشرق منذ
العصور الوسطى جسما غريبا يعيش على هامش التاريخ العالمي، فهو أسير الفكر الديني
الذي لا يطمح بتجديد نفسه كما فعل الغرب، ولم ينجح المتنوّرون لديه في تحرير
الدّين من تسلّط السّياسة".
تسلّط السياسة الإستعماريّة في
بلادنا، ما يني يعكس نفسه عبر تسلّط أنظمة سلطويّة واستبداديّة، طوّحت السياسة
خشية الإطاحة بها قبل إستفحال خطرها (السياسة) وإمتداده، إلى تخوم مجتمعاتها التي
أغرقت في لجج من التعصّب القبلي والعصبيّات الطائفيّة والمذهبيّة والزبائنيّة،
فكيف للعصبيّات والتعصّبات المتخلّفة أن تواجه – ولو مجتمعة- مشروعا للتقدّم الغربي
الحديث جرت وراثته عن الإستعمار الأوروبي القديم، ونجحت دول الغرب الإمبريالي في
تحديثه، وتحفيزه مباشرة أو بالواسطة من أجل إمتلاك عناصر القوّة، والإستفادة بشكل
رئيس من عناصر الثروة المحميّة اليوم؛ بالقواعد والأساطيل والقوات العسكريّة
المتواجدة في بلادنا بشكل مباشر، لم يعد خافيا على شعوبنا والعالم أجمع.
في المقابل..
فإن من بؤس المفاوضات وعبثيتها أنها تمت، وتتم على قاعدة من ميل فاضح لميزان القوى
لمصلحة العدو، الموحّد نسبيا خلف حكومة تعرف تماما ما تريد، وما تريد أذرعتها
الاستيطانية وتنظيماتها الإرهابية، فيما يقف المفاوض الفلسطيني مجردا من أي عناصر
قوة داخلية، في ظل انقسام وشرخ عامودي وأفقي، صار عبئا جديدا يضاف إلى أعباء الضعف
الذي تعانيه القيادة والحركة الوطنية الفلسطينية، وهي تواصل الولوج في درب أحادي
معتم، لم تعد ترى حتى مواقع أقدامها فيه، فإلى أين من هنا سوى إلى نهاية الطريق
المسدود، والدخول إلى رحاب الستاتيك المهيمن في الوضع الوطني الفلسطيني، في ظل
الحراك الاحتلالي؛ الاستيطاني والإرهابي، المتمادي تحت رايات اليمين القومي
المتطرف وحكومته الائتلافية؟!.
وإذ يجري تجاهل
مكان إقامة "الدّولة الفلسطينيّة" العتيدة، على ألسنة قادة المؤسسّة
السّياسيّة والحزبيّة، وفي العديد من المواقف الإسرائيليّة الموجهة للرأي العام
العالمي، فلأنّ أكثريّتهم تعتقد - كما كان يعتقد شارون - أنّ "الأردن هو
الدّولة الفلسطينية"! وهنا من الضروري الإقرار بأنّ تهويد فلسطين من البحر،
وحتّى الحدود المفترضة للدولة الفلسطينية العتيدة، هدف عقيدي صهيوني قائم في كلّ
آن وحين، وهو هدف العنصريين، كما المستوطنين؛ كما المتطرّفين من المتديّنين، في
كيان تقوم عقيدته السّياسيّة، كما الدّينيّة على تفريخ أصولية عنصريّة شوفينيّة،
هي العقيدة التي تجدّد ذاتها على الدّوام استنادا إلى مرجعيّة توراتيّة لا إلى
مرجعية سياسيّة حداثيّة معاصرة. سوف يقابلها للأسف قوى تطرح مرجعيات دينيّة مغرقة
في أصوليّة مزعومة، دون الاستناد إلى أي مرجعيّة سياسيّة يمكن جعلها قاعدة لتفاوض
مثمر مستقبلا.
وإذا كان معنى
"حلّ الدّولتين" أن يجري طرد المواطنين الفلسطينيين من أرضهم في الجليل
والمثلّث والنّقب، إلى ما يفترض أنّها "الدّويلة الفلسطينيّة" العتيدة
المزعومة، فهذا إجحاف مضاعف بحق الفلسطينيين، كلّ الفلسطينيين الّذين لا يعنيهم
ولن يكونوا، معنيين بتجاهل التّلاعب بديمغرافيا وجغرافيا فلسطين التاريخيّة، كوطن
لا وطن لهم سواه. من هنا ضرورة أن يقترن رفع شعار حقّ العودة، عمليّا، بالمطالبة؛
وبالتّأكيد على رفض قانون الولاء وأسرلة الأرض، والتشبث الدائم بفلسطينية
الأرض وبـ "الحق في البقاء":
بقاء من تبقّى من الفلسطينيين فوق أرض وطنهم بقاء فاعلا، كونهم أصحاب الأرض وأصحاب
الوطن، وأصحاب الحقّ الطّبيعي والقانوني التّاريخي في البقاء هناك: حيث هم، حيث
ثقفوا أجدادهم وأجداد أجدادهم الّذين أعطوا الأرض اسمها وهويّتها.
ومهما يكن شكل
ومضمون التّسويّة الجاري العمل على بلورتها على المسار الفلسطيني، فإنّ ترجمة حق
العودة لا ينبغي له أن يفترق عن ترجمة وتكريس وترسيخ حق آخر: هو الحق في البقاء
فوق أرض الوطن. فيوما بعد يوم تثبت تربة هذا الوطن أنها لا يمكنها أن تكون إلاّ مقبرة
للغرباء، والبيت الآمن لأصحابه، أصحاب الحقّ التاريخي لا لمبتدعي "الحق
التاريخاني" الزائف، المستند إلى خرافات التديّن التوراتي؛ المحفّز الأوّل
والدافع الأبرز ليهود العالم لجعل فلسطين.. غيتوهم الأكبر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق