الأحد، 28 نوفمبر 2010

عودة إلى متلازمة فوز الجمهوريين و "ستارت 2"



منافسات الداخل الأميركي
 ومناكفات الخارج الروسي

ماجد الشّيخ

  بعد فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس، بات يُخشى من أن ينعكس هذا الفوز على اتفاقات وعلاقات الإدارة الأميركية الحالية بالخارج، خاصة المعاهدات الرابطة بين موسكو وواشنطن، من قبيل معاهدة ستارت 2، والتعاون المحتمل في شأن الدفاع الصاروخي، وهما قضيتان أساسيتان في جهود تحسين العلاقات بين روسيا والغرب، حيث وصلت إلى أدنى مستوياتها بعد الحرب الباردة، في أعقاب الحرب الروسية – الجورجية صيف عام 2008.


  وكان وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، وعلى هامش قمة العشرين التي انعقدت في سيول مؤخرا، قد عبّر عن قلقه من وقوع معاهدة ستارت فريسة السياسة الحزبية داخل الولايات المتحدة، حين قال: "لا أستطيع سوى أن أعبّر بإخلاص عن أملي بألاّ تطغى الرغبة في هزيمة حزب منافس في الكونغرس على فهم الولايات المتحدة لمصلحتها الوطنية".

  وكون المعاهدة عنصر رئيس في حملة أوباما لإعادة ضبط العلاقات مع روسيا التي تدهورت في عهد سلفه جورج بوش، فإن البيت الأببض يريد من مجلس الشيوخ الحالي إقرار المعاهدة خلال دورته الحالية، الواقعة في فترة إنتقالية بين المجلسين القديم والجديد، لأن مكاسب الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ قد تجعل من الصعب الحصول على 67 صوتا لازمة حين يجتمع المجلس المنتخب حديثا العام المقبل.

  وعلى الرغم من رؤية روسيا أن مجلس الدوما يجب ألاّ يصدّق على المعاهدة قبل التأكد من موافقة مجلس الشيوخ عليها، فإن رغبة الطرفين في تحديد مهمات الشراكة الإستراتيجية بينهما، قد تتعرض للاهتزاز في حال لم يستطع مجلس الشيوخ الحالي المصادقة عليها.

   وكان لافروف قد أعاد التأكيد على أن بلاده تسعى إلى التفاهم حول مبادئ الأمن الإستراتيجي، بينها وبين الولايات المتحدة من جهة، والحلف الأطلسي من جهة ثانية، بعد ان أظهرت تطورات ما بعد الاشتباك الروسي – الجورجي في آب (أغسطس) عام 2008، ومفاوضات معاهدة ستارت 2 وتأجيل التوقيع عليها، تباينا واضحا، بل افتراقا في مفاهيم الأمن القومي الإستراتيجي بين روسيا والغرب. وهذا ما لفت إليه لافروف حين أشار إلى وجود تباين واضح في التعاطي مع ملفات أساسية، في إشارة منه إلى أن عقيدة الأمن القومي الإستراتيجي الأميركية، ما زالت في بعض جوانبها تعيش زمنا ماضيا، ولهذا لم تستطع روسيا الموافقة عمليا على مضمون ما أعلن على أنه إستراتيجية الأمن القومي الأميركية في أيار (مايو) الماضي.

  وبالتوازي مع انتقاداته للأميركيين، انتقد لافروف سياسات الحلف الأطلسي، معتبرا أنه ما زال يراوح مكانه، متأرجحا بين الماضي والحاضر، إذ بدا ويبدو واضحا أن خلافات الماضي، ما زالت تهيمن على علاقات روسيا والغرب، استنادا إلى هواجس الأمن وعلاقات السيطرة والهيمنة التي يحاولها الغرب إزاء علاقاته الدولية، وهي محاولة لاستعادة أجواء "الحرب الباردة" التي أنهاها تفكك الاتحاد السوفييتي. وها هي تُستعاد الآن عبر نظرة الغرب إلى روسيا وشبكة تحالفاتها في الفضاء السوفييتي السابق؛ كخليفة للاتحاد موزعا إرث الجمهوربات يمينا وشمالا، شرقا وغربا، من دون أن تحسم مستويات علاقات القوى الأرجحية لميلان موازين القوى إلى الشرق أم إلى الغرب، فما زال الصراع على اكتساب الجمهوريات إلى الشرق الروسي أو إلى الغرب الأطلسي يُفاقم من مستويات الصراع داخل العلاقات الروسية – الأميركية من جهة، والروسية - الأطلسية من جهة ثانية.

  ووفق لافروف، فإن الملف الوحيد الذي يجري فيه تنسيق وتعاون كاملين بين روسيا والأطلسي حاليا، هو ملف "مكافحة المخدرات"، ما يجعل من الدعوة الروسية للحلف الغربي أكثر حيوية وأهمية إستراتيجية، بأن يستكمل عملية التحول إلى منظمة تعمل على ضمان الأمن، وتبدي استعدادها للمشاركة مع أطراف أخرى، على قيام المساواة من أجل تطوير أوروبا والعالم.

  حديث التباينات الروسية – الغربية، ربما ازداد وضوحا في أعقاب فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية، وما يحاولون البناء عليه في أعقابها على صعيد علاقاتهم الخارجية، وخاصة في مجال العلاقة مع روسيا تحديدا، رغم الحاجة إليها في عدد من الملفات، أبرزها الملف النووي الإيراني والوضع المتفجر في أفغانستان، وفي جمهوريات آسيا الوسطى. وقد تمنح نشوة الانتصار الجمهوريين إعادة تكرار خداع روسيا، على ما أوضح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في مقابلة مع صحيفة كوميرسانت الروسية (30/8) حين عبر عن ذلك بالقول: "قالوا لنا شيئا وفعلوا أشياء أخرى". وأوضح أن حلف شمال الآطلسي طمأن الاتحاد السوفييتي إبان سحب قواته من أوروبا الشرقية، إلى الثقة بأن الحلف لن يتوسّع أكثر من حدوده الحالية، وتساءل بوتين: "أين هذا الآن؟" بينما اعتبر أن خطابه في ميونيخ الذي وصف بأنه عودة إلى روح الحرب الباردة، كان مفيدا جدا كونه قال الحقيقة، وما زال محتواه حيويا وصحيحا. ومن ضمن أحاديث التباينات كذلك، ما تطرق إليه بوتين، بشأن نيّات الإدارة الأميركية الحالية التي تتجه نحو تحسين العلاقات مع روسيا، بينما نشهد بأن ما يجري على الأرض يتناقض مع ذلك، مثال مواصلتهم تسليح جورجيا، ومحاولتهم التخطيط لنشر منظومة الدرع الصاروخية في بلدان أوروبية أخرى.

  وعلى ذات الخلفية؛ خلفية الكشف عن التباينات الروسية – الغربية، كانت موسكو في الأسبوع الأول من شهر آب (أغسطس) الماضي، قد وجهت انتقادات قوية إلى سياسة الولايات المتحدة، في مجال منع الانتشار النووي وأسلحة الدمار الشامل، وحمّلتها مسؤولية فقدان مئات مصادر الإشعاع النووي، والقيام بانتهاكات عدة؛ منها تزويد إسرائيل بصواريخ وقنابل ساعدت على تفاقم النزاعات. كما لم تلتزم واشنطن بالمواعيد الرسمية التي كان من المقرر أن تقوم خلالها، بإطلاع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، على واقع العثور على أسلحة كيماوية في العراق وإتلافها، في الفترة بين 2003 و 2008. لكن الأهم ما لفت إليه خبراء يتابعون الوضع الروسي – الغربي، من أن توقيت صدور التقرير، يعكس استياء روسيا من تأجيل المصادقة على معاهدة ستارت 2، ومقدمة لفتح المجال أمام موسكو للتراجع عن بعض الالتزامات التي كانت تشعر أن تنفيذها؛ يشكل انتقاصا من قدراتها، مثل خفض عدد الصواريخ، ووسائل حمل الرؤوس النووية، كما تنص المعاهدة.


  إلاّ أن توافقا على مضض، حصل مؤخرا، حين صمت الغرب على تقدم روسيا لحل معضلة مفاعل بوشهر النووي، حين قررت موسكو المضي قدما في تزويد المفاعل بالوقود النووي اللازم لبدء تشغيله، ما اعتبر تقدما فريدا من نوعه، سحب البساط من أيدي النافخين في نيران الحرب ضد إيران، ولو مؤقتا، طال الزمن أم قصر إزاء الملف النووي الإيراني  وتسوية العلاقات البينية الأميركية – الإيرانية لجهة التوصل إلى اتفاق مضمر أو معلن حول الدور الإقليمي لطهران في المنطقة، في ضوء الحاجة الأميركية لتنسيق مواقف تسهم في دعم وإسناد التواجد أو الإنسحاب الأميركي من أفغانستان، وفي تبريد جبهة الحرب في العراق، في أعقاب سحب القوات المقاتلة، وإبقاء قوة رمزية (50 ألف جندي) للمساعدة على تدريب القوات العراقية.

  في المحصلة، هذا نموذج من نماذج التعاون الأميركي – الروسي، أو الأحرى الروسي – الغربي، إلاّ أن العلاقات البينية تبقى مثار إزعاج الطرفين، طالما أنها لا تصدر إزاء توافقاتهما، كما في اختلافاتهما عن مبادئ إستراتيجية تحكم علاقات القوى الكبرى في العالم، فالشطط الأميركي أو الغربي بعامة، على ما جرى في جورجيا صيف عام 2008، لا يريح روسيا، كما لا يريحها تواصل الحديث عن نيّات نشر الدرع الصاروخية في أوروبا، وما انتقاد موسكو لعقيدة الأمن القومي الأميركي، سوى معلم بارز من معالم انتقادية واضحة لميل واشنطن الإبقاء عند حد الحنين إلى زمن "الحرب الباردة"، بما يحمله من إحساس بالتفوق والهيمنة، ومحاولة إعادة البريق إلى أحادية قطبية مفتقدة، لم تعد مقوماتها البارزة والكامنة كاملة، من حيث جهوزيتها على ما كانته في زمن مضى، حيث الإخفاقات العسكرية والأزمة الاقتصادية والمالية، باتت سمة من سمات ضعف الدولة الكبرى، فكيف في حال إمبراطورية كبرى سرعان ما فقدت مقوماتها بخسارتها العديد من إمكانياتها، من دون قدرتها على تحقيق ما يمكن تعويضه من إمكانيات القيادة والسيطرة والإدارة السليمة لأحوال الإمبراطورية السياسية، ولم تكن على انسجام مع طموحاتها المعلنة والمضمرة على حد سواء.

   وعلى هذا تبدو التباينات الروسية – الغربية؛ بمحاذيرها، أكثر إحباطا لإنماء علاقات تعاون طبيعية، وفي آفاقها المستقبلية  بآمالها، أكثر وعدا ببثها لإشارات إيجابية متبادلة، رغم المبالغة بدبلوماسيتها، فإنها قد تكون حاسمة في وضع العلاقات الروسية – الأميركية على سكتها الحقيقية، استنادا إلى ما أعلنه كل من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من جهة، ورئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين من جهة أخرى؛ بشأن ما يمكن التوافق عليه إزاء ضرورة بناء علاقات قائمة ليس فقط على التفاهم، وإنما أيضا على المسؤولية المشتركة، فيما يكمن هدف الإدارتين الروسية والأميركية في إقامة علاقات مثمرة قادرة على تجاوز الخلافات والسماح بالعمل معا. وكنوع من المكاشفة، اعترفت كلينتون في الكلمة التي ألقتها في مجلس العلاقات الدولية بواشنطن في الثامن من أيلول (سبتمبر) الماضي، بأن مناقشة معاهدة "ستارت 2" في مجلس الشيوخ الأميركي تعرقلت بسبب العوامل السياسية الداخلية، وأسفت لقيام أعضاء الحزب الجمهوري بجعل المعاهدة رهينة الصراع السياسي الداخلي قبل الانتخابات النصفية للكونغرس. أما الآن فيبدو أن المعاهدة باتت رهينة الجمهوريين بالفعل، ومعها تأخذ مسألة تعقيد التباينات بين روسيا والغرب الأميركي، كنوع من حاجة ملحة للقاء جديد على مستوى القمة، يأخذ فيه البيت الأبيض على عاتقه مهمة إقناع الجمهوريين بضرورة وأهمية أخذ المصالح الوطنية الأميركية بعين الاعتبار، بعيدا من منافسات الداخل ومناكفات الخارج.

  وفي إشارة إلى الحاجة الأميركية لروسيا، شدد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس على أنه لا يرى في روسيا تهديدا لبلاده، بل يعتبرها شريكا في مكافحة الإرهاب مثلا، كما في مسألة تسوية المشكلة النووية الإيرانية. والحاجة إلى الخبرات الروسية في التعاطي مع مشكلة التواجد الأميركي – الأطلسي في أفغانستان، وهو لهذا أكد اهتمام بلاده بشراء مروحيات روسية من طراز "مي 17" لاستخدامها في العمليات العسكرية الجارية هناك وعلى الحدود مع الباكستان. وأخيرا في صدد نقطة خلافية أساسية مع موسكو، أشار غيتس إلى أن إعادة تسليح جورجيا، سيكون محدودا، نظرا إلى أن "مصلحتها في إمداد جورجيا بقدرات تمكّن هذا البلد من مساعدتنا في أفغانستان". فهل تتفهّم موسكو ذلك، أم أن لها في التباينات المعلومة مآرب أخرى، ومنافذ أخرى لإثارة المزيد من حديث التباينات غير المعلومة، وصولا للإقرار بدورها القطبي الذي كان زمن الاتحاد السوفييتي، ضمن عالم متعدد الأقطاب أمسى أكثر إلحاحا، لا سيما في ضوء استعادة الجمهوريين بعض نفوذ لهم في مؤسسات الدولة الأميركية؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق