الأحد، 14 نوفمبر 2010

دفاعا عن أوطان بهويات متعددة



دفاعا عن أوطان
 بهويات متعددة

ماجد الشّيخ

  ماذا يضيرهم؛ أضحويو "السلطة البطريركية" المُضاعة، في أن يكون الوطن واحدا بهويات متعددة؟ كي يحوّلوا أوطاننا إلى مقابر لكل الهويات، حتى هويتهم هم؛ ما سلمت ولن تسلم من إجرامهم، طالما أن انشقاقاتهم تتوالد من انشقاقات سابقة، بانتظار تلك اللاحقة، إلى أن يستقر "الجميع" عند فوهة بركان القتل والتفجير المتعمّد للروح؛ كونها ابنة الحياة. وأولئك العصاة على هوياتهم وعلى أوطانهم وعلى نسمة الحياة، ليسوا يتخلّقون أصلا بأخلاقيات الحياة، فهم في اختيارهم الموت "طريقة حياة"؛ إنما ينحرون الموت، ليجردوه من أي معنى، فلا تبقى المعاني إلاّ ملكا لمن مات غيلة وغدرا، وسُلبت منه قسرا وبالعنف والإكراه روح الحياة.

  وكأنه لم يكفهم، ولم يكف أجيالهم ما تعرضوا ويتعرضون له من سياسات تهميش وإقصاء إستبعادية، عن حقهم، بل حقوقهم كمواطنين داخل أوطانهم، حتى يطالهم اليوم وبشكل متصاعد ظلم إقصائهم قسرا وبالعنف الإرهابي المتعمّد عن الحياة، حيواتهم كبشر ينتمون إلى النوع الإنساني المعذّب، الموصوم بالاختلاف، بعدم التماثل، بعدم التحوّل أو الاستجابة إلى ما تريده تلك "السلطة البطريركية" العمياء: فرارا من الوطن إلى بلاد غريبة، أو مواجهة الموت قسرا وبالإكراه، دونما حب للموت أو كرها للحياة، فهم على النقيض من قاتليهم أكثر إيمانا بالحياة.

  لم يعد أشقاؤنا في الوطن والمواطنية من المسيحيين فقط، هم من تنطبق عليهم إحالات استلاب الهوية، كما سرقة حيواتهم، وهم يواجهون عمليات تفجير كنائسهم وقتل الناس بداخلها، بل صار كل مختلف مع "أضحويي" الفرقة، أو "الفرق الناجية" هدفا للقتل "الأضحوي" العشوائي، كما المخطط له؛ القائل اليوم وبالفم الملآن: "كل من يختلف معنا أو عنا فهو هالك لا محالة"، ليس هذا في البلاد المأزومة القابلة للتفتيت، بل صار العالم كله مسرحا لقوى "الأثر التفتيتي"، المعادية عداءا شديدا لكل آثار الحداثة والمعاصرة، تلك الآثار التي أمست ومنذ زمن أكثر نزوعا للتوحيد، من قوى تدّعي انتماءها زورا وبهتانا لـما يسمى "أمة توحيد" هلامية.

  وبذا لا يميز مجرمو "التأصيل المتجدّد" بين ضحاياهم، لا سيما وهم يحوّلون ضحاياهم إلى موضوع شارط للقتل والإجرام، فتعدد الهويات هو الاستفزاز الأكبر لهم، و"جريمة" الضحايا دائما أنهم "أخطأوا" و"يخطئون" على الدوام، كونهم مختلفين؛ لا متماثلين، بل إنهم مختلفون "فرقيا" كذلك ، أي أنهم جميعا ودون تمييز بينهم، لا ينتمون إلى "هوية الفرقة" الموغلة في إجرامها الدموي، بالتأكيد على هويتها المتضادة وروح الهوية، أيا كانت، بما هي صفة لكينونة متحققة، بل هي نفي لهذه الكينونة، وانعكاس شرطي لممارساتها وهي تنحو نحو نفي الحياة، وإعدامها على مذبح إبراز تمايزها "الفرقي" عن ضحاياها، منظورا إلى كون هؤلاء الضحايا خارج الشرط الإنساني، بل خارج أي شرط يمكنهم من الاعتراف بهم، كبشر متساوين في شرط تحقق وجودهم الإنساني أولا، وكمختلفين بالضرورة عن هويات الآخرين من البشر.

  عبر هكذا سلوكيات إجرامية مشينة، وأفعال لا إنسانية، يؤكد أتباع الأصوليات، وفق آخر طبعاتها "المتجددة" والمتناسلة من "جريمة أولى"، بأفعالهم الإجرامية، الأثر التفتيتي لمزاعم "العودة إلى الأصل"، في مواجهة الآثار التوحيدية للحداثة في عالمنا المعاصر، تلك الآثار التي تقاوم جاهدة للإبقاء على وحدة النوع الإنساني المتعدد الهويات والاتجاهات، وثقافة المغايرة والاختلاف، في مواجهة مجموعة من عمليات الانسحاق ومكابدة معايير "موت مقدس"، على أنه أو كونه الأثر الأثير لفرقة "الاصطفاء الجنّتي"، وهي تشهر انتماءها إلى "فرقة ناجية" واحدة ووحيدة، تبرّر لذاتها كل مفاعيل وآثار الانفجارات التفتيتية، داخل المجتمعات والدول والسلطات في عالمنا المعاصر.

  لقد بات واضحا أي آثار مدمرة يتركها أتباع "العودة إلى الأصل"، وهم يواصلون ابتداع طرائق خاصة للقتل التفجيري، بما يتركه من آثر تفتيتي لفكرة "العودة إلى الأصول"، كونها فكرة تنافح عن القتل والإجرام والانتحار، كأداة لصراع داخلي/مجتمعي/ سلطوي، وعلى مستوى العالم، يهدف إلى إبراز اختلاف الهوية الدينية الواحدة من داخلها، حتى باتت ميكروسكوبية، وهي تنطوي أو تنضوي كذلك تحت مسمى "الفرقة الناجية"، وأن هويتها هي الهوية/ الأصل، وهي المصطفاة، وهي الناجية بعد حين!.

  من هنا يمكننا تفسير وفهم التمركز حول الهويات الفرعية، فقط في سياق ما يستهدفه أصحابها من إبراز ذواتهم كذوات لا علاقة لها بأية أصالة أو أصولية مفترضة، بل إن تمركزهم الذاتوي، إنما يعود إلى الطبيعة البطريركية (الأبوية) لما أرادوا للهوية أن تكونه، ولأن يكون عليه نزوعهم السلطوي والتسلطي، حتى في إطارات ما يجمعهم فرعيا/فرقيا في تفرعات تنظيمهم الحلقي.

  هكذا .. يُراد تحويل الوطن إلى مقبرة كبرى، وأهل الوطن بكل أطيافهم إلى أهداف سهلة للقتل التفجيري، عبر أجساد بشرية "أضحوية" يجري خداعها وتلقينها أضاليل عن الكفر والإيمان، عن الجنة والنار، حتى لم يتبق لدى "الضحايا الأضحويون" القتلة، ما يمكنه أن يشكل أدنى رادع لديهم يمنعهم من الإقدام على القتل بدم بارد، أو بجرعة زائدة من أفيون "التديّن الأضحوي".   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق