استلهام الربيع العربي كحراكات شعبية تحررية
نحو وعي اجتماعي وتحرري بديل
ماجد الشّيخ
لم يعد الربيع العربي يتيما، صار له أقران من قبيل صيف أوروبا وخريف
الولايات المتحدة، بل إن خريف البطاركة يحمل في طياته اليوم خريفا موازيا، للأنظمة
السياسية والاقتصادية، التي طالما عملت من أجل مجموعة من الأغنياء المضاربين
بالمال العام، وناهبي ثروات الفقراء، وممن يستولون على أموال الضرائب باسم الدولة،
قبل أن يجري تدويرها لتعود إلى المصلحة العامة.
هي فصول إستثنائية تشهد لتحولات تاريخية، لا
تروم الفوضى وإن حدثت هنا أو هناك وللحظات محدودة، ولا تروم الحروب الأهلية؛ إلاّ
حين يلجأ النظام بأجهزته الأمنية والعسكرية، ومأزوميه من النخب السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، وزبائنييه من المحالفين له؛ للدفاع عن مصالحهم السلطوية
والطبقية، وفي دواخلهم نزوع نيروني مدمر حتى للدولة.
أما الاستقرار القاتل، فهو نزوع نيروني في المقابل
نحو تأبيد الاستبداد، وتعميم أيديولوجيا الاستعباد، إلى جانب أيديولوجيات
الاستبعاد الاجتماعي، وهي أيديولوجيات أنتجتها ما يمكن أن نسميها "ثقافة
العبيد"، كي تبقى السلطة خصيصة الأسر والعائلات والنخب السلطوية الحاكمة، لتهنأ
فيها بلا منازع، وبلا منافس؛ وكأن السلطة "منحة إلهية" تُعطى لمرة
واحدة، ولينكسر القالب بعدها، فلا يعود يشتغل؛ إلا لمصلحة "إلهيي
السلطة" المستبدة، وعبيدهم المدافعين عن الاستبداد كأيديولوجية
"سماوية".
أمثال هؤلاء وأولئك، لا يريدون لإلهام الربيع العربي
أن يعم الأرجاء، فقط مهمتهم الرئيسة إفشاله في دياره، قبل أن يصل إلى ميادين
وساحات العالم، إلى حيث اكتوى ويكتوي معظم الناس بسياسات استبدادية مماثلة. وهنا
اتحدت وتتحد فصول النزعات التحررية، في حركة إلهام تجادلية، لن تقتصر بعد اليوم
على نطاقات جغرافية محددة أو محدودة، بل هي في طريقها إلى أن تشمل نطاقات العالم
كافة. بما أن الشعوب والمجتمعات وحتى الدول؛ هم ضحايا فعليين أو محتملين، لسياسات الإفقار
المتزايدة، والاقتصادات الافتراضية
المضاربة، التي صارها اقتصاد الرأسمال المالي المعولم.
إننا اليوم أمام وعي عالمي يتعولم، ولكن على
وقع ثقافة اعتراض تحررية، تواجه ثقافة استعباد واستبعاد ذات طابع إمبريالي، ما انفكت
تسعى إلى تطويع وإخضاع العالم لهيمنتها المتهالكة والهشة، فقد تعثرت
"أيديولوجيا الأسواق" التي سبق وجرى تقديسها من قبل المؤمنين بالنظام
الرأسمالي وسياساته التي انتهت إلى الفشل، بفعل تكشفها في حلقة تعولمها الراهن، عن
نظام وحشي مأزوم، وضع العالم كله على كف عفريت التمردات والانتفاضات الشعبية، ما
قد يمهد لثورات إجتماعية تتنامى احتمالاتها يوما بعد يوم، في ضوء دخول أزمات
المجتمعات الغربية إلى رحاب مأزق تاريخي مقيم منذ زمن، يختلف بالطبع عن أزمات
القرن السابق الحادة، وقد مر حتى الآن ثلاث سنوات خريفية عجفاء منذ تفجر أزمة
الفقاعات العقارية والمالية في خريف العام 2008، من دون أن تجد السياسات التي
أسميت "انقاذية" الحلول لكل ذيول وتداعيات الأزمة.
وما نراه ونعايشه اليوم، ليس ظاهرة عابرة، إنه
المأزق البنيوي الذي بدأ العالم كله يتقلب على جمر تحولاته، بدءا من ربيع الثورات
العربية، وصولا إلى "احتلال وول ستريت" وما تجره الحركة الأميركية من
تداعيات، بدأت تنتقل إلى مئات المدن عبر العالم، وقد تشمل الآلاف في المستقبل،
وذلك في حركة ناهضة متنامية، تؤكد سخطها وتمردها على النظام الرأسمالي بتركيبته
الراهنة المعولمة فاحشة الثراء، وتزويجها المال بالسلطة، وتجارتها بالاحتلال
والعسكرة واستثمارات غير منظورة، ما أفسح في المجال لتقدم الفساد وثقافته الصفوف،
في وقت أضحت تتراجع ثقافة الديمقراطية في مجتمعات ودول تأسست على قواعد تمثيلية
واضحة؛ لكن الأزمات السياسية والاقتصادية، باتت تعمل على نفي الصورة النمطية
القديمة للمجتمعات الديمقراطية، وخلق صورة جديدة؛ صورة التحالف المالي – السلطوي
الذي بات يستهين بكل القيم العالمية التي تأسست وتمأسست في نسيج تربية أبناء
المجتمعات الغربية، وكانت جزءا من ثقافتها العامة.
وهكذا على خطى الربيع العربي الذي فتح أبواب
ومغاليق الكفاح ضد الاستبداد وأنظمته وثقافته، بينما استهان ويستهين به بعض أبناء
جلدتنا، أطلقت "حركة احتلال وول ستريت"الأميركية صرختها المدوية ضد نظام
الاستعباد المالي الدولي، فيما أطلق الأوروبيون صرختهم الموجوعة عبر المدن
والساحات والميادين العامة؛ صرخة لا لمظالم نظامهم الرأسمالي، وهو يتهالك من شدة
تقليديته، وخضوعه لأعالي قمم الهيمنة الإمبريالية، وانسياقه خلف سياسات لم تولد
سوى الفقر، وفي تزاوج بائن بين المال والسلطة، استثمرت في الاحتلال وتجارة السلاح
والعسكرة، حتى بتنا أمام مؤسسات إفساد
معولمة، تنتشر كالفطر عبر أصقاع العالم المختلفة.
إنها حراكات شعبية بامتياز، وقد تكون شرارات
مستقبلية لثورات إجتماعية، على الأقل قد تغير من واقع الهيمنة المتغولة للرأسمالية
المالية، التي فشلت حتى الآن في إنتاج سياسات إنقاذية حقيقية، قدر ما أدت وستؤدي
إلى استفحال المأزق المالي للاقتصاد العالمي، ما يفتح الطريق أمام حراكات شعبية
تهدف إلى إحداث تحولات تغييرية أعمق، ليس في طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة، بل
وفي طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وإحداث تحولات في طبيعة القوى
المهيمنة وعلاقاتها بالقوى الشعبيه والحزبية والنقابية، ربما نحو عولمة اجتماعية
بديلة، قد تنشئ لذاتها سياساتها وطرائقها الخاصة، في مواجهة أغنياء العولمة الذين
استفادوا منها في تغول وحشي واضح.
بذا .. لم تستطع الرأسمالية بأشكالها الراهنة
حتى الآن، إلاّ أن تتجاوز الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة وسلبه مميزاته
التدخليّة، في قفز متعمد عن هذا الدور، إلى حد خيانته لمصلحة الرهان الكامل على
"أيديولوجيا الأسواق" تلك التي أثبتت فشلها منذ البداية. وها هو هذا
الفشل يتأكد عبر محاولات إنقاذية عممت خسائر الأغلبية، وخصّصت الأرباح لصالح القلة
من نخب المضاربين باقتصادات الدول والمال العام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق