الاثنين، 7 نوفمبر 2011


 طبائع الاستبداد
في تفتيت الوطنيات وهدم المجتمعات

ماجد الشّيخ

  بادئ ذي بدء، يتوجب التأكيد على أن مسألة الحرية في هذه المنطقة من العالم، لم تتناقض أو تتصادم يوما مع مسألة المكونات المجتمعية بكل أطيافها وفسيفساءاتها، ذلك أن الحرية هي حق الجميع، جميع الناس ممن يكوّنون أو ينتمون إلى المجتمعات الإنسانية، 

 
   تماما مثلما نال الجميع قسطهم من فظائع الأنظمة الاستبدادية في بلادنا (النازية والفاشية كانا مثالين ساطعين ومجربين في هذا الاتجاه في القارة الأوروبية) ومآسيها، من دون تفرقة أو تمييز؛ بين مكون وآخر من مكونات مجتمعاتنا المشرقية، في هذا الشرق المبتلى باستبدادات مكررة ومضافة؛ امتدّت من استبداد النزوع التسلطي البطريركي/الأبوي صاحب الهيمنة والنفوذ الديني، إلى استبداد النزوع السلطوي السياسوي الحاكم، أو في أي شكل آخر من أشكال التسلط الاستبدادي الذي مترس داخل السلطة، مستمسكا بها من دواخل مجالات الهيمنة التي حازها ويحوزها بالتطييف والمذهبة، كما وبالغلبة وبالقوة وبالإكراه، أو بأي أسلوب إحتيالي أو انقلابي آخر.

   وبذا زاوجت السلطة الحاكمة بين استبدادها المباشر، وغير المباشر في ما أسفرت عنه أطروحاتها التفزيعية؛ كفزاعات تدعي وتزعم أنها ضامنة لاستقرار مجتمع الدولة، ضمانا لخضوع مجتمع أهلي، نظر إلى السلطة على اختلاف درجات ونوعية الاستبداد الذي تمارسه، كونها الممسكة بالعصا من الوسط، كضامنة لحماية هذا المجتمع من الوقوع في براثن الحرب الأهلية التي تثيرها وتلعب وتتلاعب بها، كفزاعة من فزاعات أجادت طغم السلطة الاستبدادية والطغيانية توظيفها لأجل إخضاع كامل مكونات المجتمع، لا سيما أقلياته، تلك التي يجري تصويرها وكأنها تحمل همّا وظيفيا هي الأخرى إلى جانب السلطة، في محاولة من هذه الأخيرة لأن تنأى تلك الأقليات عن حراك المجتمع الوطني، وتحت مزاعم وأضاليل كونها تقف على النقيض من هذا الحراك، أو إعطاء الحراك طابعا أكثريا طائفيا معاديا للأقليات، وتلك قمة الإجرام الذي ترتكبه السلطة في تخليها عن وطنيتها ووطنية شعبها، واتباع غرائزها الطوائفية المتمذهبة، وهي تذهب حدود تفتيت المجتمع الوطني من أجل بقائها هي سيدة لسلطة بلا حدود، وبلا شرعية أو مشروعية. ولذلك فإنه حتى الأنظمة ذات الطابع الأمني/البوليسي أو العسكري لم تستطع أن تكون ضامنة لأحد، فهي "مصممة" أو/وقد جرى هندستها لحماية أرباب المصلحة من أهل السلطة الأقربين، وما أحاط ويحيط بهم من أشياع متنفذين ومتمولين. 

  لقد أثبتت أنظمة الاستبداد الطغيانية في بلادنا، وفي ضوء ثورات الشعوب بطابعها الشعبي، أنها ليست ضامنة لأي شئ، بل هي المشكلة الأساس التي منها صدرت مجموع المشكلات التي عانتها وتعانيها مجتمعاتنا الوطنية، فلا هي ضامنة ذاتها في مواجهة شعبها، ولا هي ضامنة مصالحها ومصالح الحلفاء والأشياع، في مواجهة مرامي وأهداف ومطالب الوطنية والوحدة الوطنية لشعوبها.

  ولئن وصل بنا الحال إلى أن نقف أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما التمسك بنظام طغيان إستبدادي مدمر لوحدة المجتمع ووطنيته الموحدة، او إثارة فزاعات ونزعات الحروب الأهلية والطوائفية المتمذهبة على الطريقة العراقية، فإن خيار الحرية لشعوبنا، بما يحمله هذا الخيار من سلوك دروب إنفتاحية ديمقراطية علمانية، تفتح بدورها دروبا نحو إقرار دولة المواطنة وحقوقها؛ هذا الخيار هو خيار الثورة الراهن، وخيار الأحرار المبادرين إلى قيادة شعوبهم نحو ساحات التغيير والتحول التاريخي الضروري، للالتفاف حوله والنضال من أجله، وتلك مهمة الأكثريات والأقليات كمواطنين لهم كامل حقوق المواطنة في بلدانهم. هي مهمة مواطنين أحرار بما هم كذلك ومن دون أية رتوش، لا بما يحملوه من هويات فرعية أو ضيقة.

  لذلك ليس هناك من ضمانة يمكن لأي نظام سياسي أن يوفرها لمجتمعه وشعبه بأكثرياته وأقلياته، سوى أن يكون هذا النظام ديمقراطيا وعلمانيا، نظام تمثيلي برلماني تعددي؛ أما ما عدا ذلك فهو الهراء بعينه، خاصة وأن أقلياتنا المشرقية لم تكن طارئة على أي بلد، بل هي الأصل، أو هي الأسبق في وجودها وعيشها على هذه الأرض، بمعنى أن وجودها سابق على وجود الأكثرية أو الأغلبية التي صارت كذلك، بفعل عوامل معقدة عديدة من سياسات الطرد والحروب والاستيلاء والغزوات.. إلخ من أشكال الإحلال المجتمعي، وتبدّل الأحوال السلطوية.

  إن تحوّل قسم من الأقليات، كما تلك الأقلية من الأكثريات، إلى بيادق في أيدي الأنظمة الحاكمة، لا يشكل أي أمل لها بالخلاص مما تعانيه مجتمعاتها وبلدانها، إلى جانب الأكثرية الكاثرة من مواطنيها؛ من متاعب وضياع وهدر حقوق، وغلبة واجباتها مقارنة بتلك الحقوق، ما يضع تلك الأقليات أمام شكل من أشكال "سياسات الذمة" ومواثيقها البالية، لا سيما في مجتمعات متعددة ومتنوعة تجاوزت مثل هذه "السياسات"؛ إذ تحولت وتتحول إلى مجتمعات مدنية، يجب أن ينزوي فيها الديني إلى حدوده التي يجب أن يتوقف عندها، ولا يتجاوزها إلى رسم مصائر السياسة والحياة والوجود ذاته، ورسم حدود لهذا الوجود للناس بوصفهم بشر أحرار عقلاء، يملكون زمام التصرف بمصائرهم. ذلك على الرغم من استمرار أنظمة قمع طغيانية في السلطة، تقوم هيمنتها ونفوذها على التفتيت المجتمعي والتذرير الطائفي والمذهبي، أو قامت سلطتها بالأساس على مثل هذا الانحياز المباشر؛ تمثيلا أو حيازة لشرط التفتيت أولا، ومن ثم انحيازها لشروط التذرير، للبقاء عند حد التغول السلطوي النافذ، العامد إلى هدم المجتمعات، وتفتيت وطنيات شعوبها ووحداتها الوطنية.     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق