في ثورات التحوّل
كصناعة ثقيلة
ماجد الشّيخ
للربيع العربي في هيئته الناصعة؛ كثورات
وانتفاضات وهبّات جماهيرية وشعبية، وجه واحد، وجه لا يمكن صبغه بأي صبغة طائفية أو
مذهبية أو أي طابع فئوي. هو الوجه الناصع للثورة على أنظمة امتهنت التسلط
والاستبداد، وجه لا يمكن تحويله أو إزالة صبغته التحررية؛ مهما حاول ويحاول
"المتصيّدون" من أصحاب ثقافة االاستبداد الاستعبادية، إضفاء طابع لا
تحرري عليه، أو تمييع كفاحاته وكفاحات القوى المشاركة فيه، وهو الوجه التعددي،
مهما حاول ويحاول "أحاديون" كثر ذوي غايات انتهازية، حرفه عن مهمته
الرئيسة، عبر "تخوينه" أو "تكفيره أو رميه بما ليس منه ولا فيه.
إنه ربيع الشعوب بامتياز، وليس ربيع الطفيليات
من هذه الفئة أو تلك، ممن يهوّل بعضها من عبيد الاستبداد التسلطي المحلي
والإقليمي؛ بعدائه أو استعدائه لها، فالشعوب لا هوية ضيقة لها، ولا هويات فرعية
يمكن تفريعها أوتجزأتها، وتوزيع أدوار لفئات منها مع الثورة أو ضدها، مع النظام أو
ضده، مع الحرية أو ضدها، مع استعادة الكرامة أو استباحتها؛ كرهينة لدى الطبقات وأنظمة
الاستبداد العائلية الحاكمة هنا وهناك. المسألة أبعد وأكبر من اختزالها إلى مثل
تلك الترهات التي يتبناها البعض، وبها يرمي قوى الثورة والانتفاضة والهبّات
الشعبية المستحقة منذ زمن؛ وكأنها قوى منفلتة، لا تخضع لضوابط الوطنية الجامعة، بل
يجري تصويرها وكأنها عميلة لقوى خارجية، من قبيل إطلاق تسمية "ثوار
الناتو" أو "ثوار الكنتاكي"، من قبل عبيد اللفظيات القوموية أو
الإسلاموية، ممن لا يتفقون مع إمكانية نشوء نظام جديد في ليبيا على أنقاض نظام
القذافي، أو أنظمة جديدة على أنقاض الأنظمة القديمة المهترئة، كون الاستبداد
التسلطي واحدا من أفهومات وأزعومات ايديولوجية، تتفق مع أفهوماتهم وأزعوماتهم تجاه
أنظمة رسخت أقدامها في سلطة بلدانها، حتى بات من الاستحالة إمكانية التعرف على
أنظمة بديلة لها، ما دامت تتشدق بلفظيات المواقف التي باتت أكثر انكشافا، وفي
رصيدها أكثر خواء، والأخطر أكثر تمذهبا في سياساتها التي يُراد مكافأتها عليها من
قبل متمذهبين راسخين في "علم المذهبية المقيت". فهل تختلف طبيعة
الاستبداد في البحرين أو اليمن أو الجزائر أو سوريا، حتى يتفق متمذهبو عبادة
الاستبداد على اعتبار ما يجري في البحرين ثورة، وما يجري في سوريا مجرد مؤامرة
خارجية؟.
لهذا لا يختلف وجه الربيع العربي، كما رأيناه
يتجسّد في تونس وفي مصر وفي ليبيا وفي اليمن وسوريا، وفي غيرها من بلدان تنتظر أن
يتمظهر ليزهر فيها وجه الربيع العربي، ولو بعد حين. وقد لا يتمظهر كما رأيناه منذ
البداية، وذلك لخصوصيات معينة تميز بين بلد وآخر، على الرغم من أن ما يجري فيها،
لا يختلف ولن يختلف في محصلته التراكمية، عن ما جرى ويجري في بلدان الربيع العربي
التي سبقت إلى الثورة، وبتراكمات كفاحية أعلى، ما انفكت تواصل مراكمة المزيد من
سيرورات الانتفاض، من أجل المطالب الهادفة للتغيير والتحول التاريخي الذي لا يمكنه
الحلول في الواقع، أو قولبته مرة واحدة أو دفعة واحدة؛ فالتحوّل "صناعة ثقيلة"
ذات طابع إستراتيجي، تتطلب المواصلة والاستمرارية، على أن تاريخية أي مسيرة تحررية
لا يمكن الحكم لها وعليها منذ البداية، وقبل أن تنجز إنجازات يعتدّ بها، وصولا إلى
المآلات الأخيرة التي تنشدها الحراكات الشعبية الثورية.
كذلك لا يختلف وجه الربيع العربي، في مهمة نفيه
انتماءات قواه المتعددة والمتنوعة من استحكام الفئوية أو الطائفية، أو استحكام تلك
المذهبة المقيتة في مسلكيات قوى الثورة، بينما نشهد استحكام تلك المذهبة في
مسلكيات العديد من الأنظمة والحكومات، في مواجهة ليس شعوبها فحسب، فديدن مثل هذه
الأنظمة والحكومات تضامنها ودفاعها ودعمها قوى الاستبداد المماثلة لها؛ ولا نستطيع
فهم هذا الدفاع المستميت عن أنظمة التسلط الاستبدادي في الفضاء العربي (سوريا،
اليمن، ليبيا والبحرين) إلاّ في سياق التضامن المذهبي والفئوي من قبل البعض، والتضامن
المصالحي والمنفعي من قبل بعض آخر، وتضامن زبائني من قبل قوى أخرى في السلطة
وخارجها.
إن وجه الحراكات الشعبية واحد في تعدده، لا
تشوبه شائبة الانتماءات القبلية والانحيازات المصلحية والزبائنية، فهو وجه الثورة
التي استحقت وتستحق أن تنشر أنوارها على الرغم من ظلمة الأنظمة، وظلم المستبدين من
الطغاة، وعتم زنازين الأجهزة وجلاوزة السلطة وبلطجييها وشبّيحتها، ومرضاها الذين
لا شفاء لهم؛ وظلمات الفقر والاستبعاد الاجتماعي الذي طال واستطال بأكثر من أعمار
أنظمة التغول الاستبدادي، ذات الوجه الواحد، والطابع الأحادي لمسلكياتها المتمذهبة
سياسويا وطائفيا ومذهبيا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق