الاثنين، 7 نوفمبر 2011


في السيادات الشعبية
كنماذج تحررية

ماجد الشّيخ

  ليس هناك من ثورة لا تعيش هاجس الحرية انطلاقا من عصرها هي، لا من عصور الآخرين المفترضة، وفي القلب منها حرية الشعوب والمجتمعات والدول؛ وهي تسعى إلى رسم أفق تحرري، يبني الأسس الصحيحة للحرية السياسية لمجتمع سياسي، في مركزه تقيم المواطنة مفاهيم أساساتها النابعة من حرية الإرادة.


   وهي تراكم كفاحاتها ضمن مسار ديمقراطي منشود، كضامن لعقود الحقوق والواجبات التي يضمنها مشروع الدولة المدنية التعددية، كبديل من دولة التسلط الاستبدادي؛ بكل ما ملكت وتملك من أدوات إخضاع وسياسات هيمنة، استمدت من حروب التفتيت والتفكيك قواعدها الناظمة لاستمرار حكم الفرد، أو القلة، أو الطغمة، أو النخبة التي قولبت سلطة الدولة في قالب حزبها أو جماعاتها على اختلاف أطيافها الطائفية أو المذهبية أو الفئوية، وذلك في عملية نفي للدولة ومفاهيمها البنيوية، وذلك تأكيدا لسلطتها هي في استيلائها على الدولة؛ نفيا وإقصاءا لها كمؤسسة عامة اعتبارية، ومن أجل تأكيد هيمنة القلة المتسلطة على شلل السلطة الخاضعة بدورها لهيمنة الفرد أو العائلة، حتى في النظام الجمهوري الذي أضحى أكثر ملكية وأكثر استبدادية وطغيانا من أي نظام طغياني آخر.

  لهذا أضحت المجتمعات التعددية، أكثر قلقا على حريتها في الحاضر، بل وأكثر قلقا على مستقبلها في حال جرى إخضاعها بالقوة وبالإكراه والغلبة، من قبل نظام تسلطي أو سلطوي، لا يلتفت كثيرا إلى مفاهيم العدالة أو النزاهة، في تعاطيه مع مواطنيه/الرعايا، وهو ما يفسر عدم احترام الحريات الأساسية، بقدر ما جرى امتهانها واضطهاد الأكثريات، قبل الأقليات التي هي بالأصل أصل الشعب والمجتمع والدولة التي حولتها السلطة إلى مزرعة خاصة، قبل أن ترسو أمور السلطة إلى غلبة أنظمة سياسية تدعي تمثيلها للأكثريات السائدة في مجتمعات وبلدان عربية عدة، لم تكن بالأصل كذلك، وإنما ولأسباب عديدة أكثر تعقيدا مما سبق، ليس هنا مجال الخوض فيها، صارت الأكثريات هي الغالبة، ضمن مجتمعات ذابت فيها الأقليات أو كادت؛ بفعل أربعمائة عام من الخلافة العثمانية التي أسفرت عن نظام سلطاني – خليفي، قولب مجتمعات بلادنا في اتجاهات عم الظلم الأكثريات، كما كان ظلم الأقليات مضاعفا. وما كان الهم الأساس لسلاطين الخلافة العثمانية أو للدولة السلطانية التي أنشأوها، سوى التطبيق الحرفي أو الجزئي لما أسموه "الشريعة" التي حولت رعايا النظام السلطاني الخليفي إلى رعايا وذميين؛ سواء عبر دفع الضرائب الباهظة أو عبر دفع الجزية، أو الخدمة في الجيش العثماني العرمرم. وفي كلتا الحالتين لم يجر التعامل مع الناس كمواطنين أحرار، بل كعبيد ينبغي لهم تقديس استعبادهم، واستبداد حكامهم؛ مهما بلغ ذلك من شأو، تماما على ما هو حال بلادنا اليوم، إزاء استبداد نظم بلغت في عتوها حدا لم يعد بالإمكان السكوت عنه، ما أشعل ثورات الربيع العربي التي ما انفكت تواصل فعالياتها ومعاركها التحوّلية.

  ولئن وجدنا ونجد هناك من يبرر للاستبداد "قدرته" على ضمان استقرار أنظمة ومجتمعات، فلأن التاريخ ليس طوع بنان المتسلطين، وهم يحاولون حتى مصادرة تاريخ شعوبهم ومجتمعاتهم، وتزويرها، والترويج لصورة زائفة عنها، وتوجيهها وجهة إخضاع وغلبة، طالت وتطول حتى كل مراكز الإشراق والتنوير والثقافة، وهي المراكز المفترض أنها قواعد ناظمة لمقاومة الاستبداد وأنظمته التسلطية الدينية والسياسية. لهذا قلنا ونقول باستحالة تحوّل من تسمّي نفسها الأصوليات وحركات التدين السياسي إلى قوى رافدة لثورات التحوّل التاريخي، وإنما هي في انتهازيتها الفاقعة، أقرب للتحول إلى قوى مضادة للثورة، أو في أحسن الفروض قوى رافدة لقوى العسكرة، كما هو حال مصر الآن، في ظل محاولات إيقاظ فتنة  طائفية موؤودة، ودفاع بعض القوى الدينية المستميت عن "استقرار النظام" الذي تريده، "كي لا تكون فتنة"!، وهو ذات الموقف الذي وقفته أيام الثورة الأولى، حين امتنعت عن المشاركة فيها، ووقفت ضدها ومع استمرار "استقرار النظام"، وأيضا تحت "حجتها الأثيرة":"حتى لا تكون فتنة"!، وها هي إلى الفتنة تذهب مطواعة مفتونة بعسكر النظام، كما افتتانها بـ "جماليات السلطة" التي يرون أنها أقرب إليهم من غيرهم، وحتى من أقرانهم من قوى دينية لا تشاركها ذات المفاهيم الأيديولوجية التي يسعى إليها كل طرف.

  يقينا وفي ضوء ثورات الربيع العربي، بكل نجاحاتها حتى الآن، وربما إخفاقاتها جزئيا أو كليا هنا أو هناك، لم يعد من السهل على الاستبداد التسلطي أن يعيد إنتاج أنظمته، ليعيد إخضاع شعوب ومجتمعات؛ هناك إصرار على إخضاعها وسرقتها ونهب ثرواتها، في حين أنها تعلن اليوم تمردها وثورتها دفاعا عن حاضرها ومستقبلها. ولم يعد من السهل على تلك الشعوب والمجتمعات أن تعود للاستكانة، وتحني رؤوسها مجددا لحلاديها وسارقيها وناهبي ثرواتها ومزوري تاريخها، إنها تنهض لابتناء سيادة شعبية طالما جرى تجاهلها والاستهانة بها، وها هي تلك السيادة ذاتها تنتقل من فضائنا العربي إلى الفضاء الدولي، صارت السيادات الشعبية هدفا لجماهير تستمد قوتها من جموعها المحتشدة في الميادين، كنموذج يمكن أن يُحتذى في أبعد أصقاع الأرض.

  لقد فشلت الذاكرات المثقوبة لثقافات العبيد الذين أخذهم الاستبداد بعيدا عن إنسانيتهم وشعوبهم ومجتمعاتهم؛ في أن تبقى تتسيّد المشهد، وها هي قيم الحرية وثقافات التحرر، تنتفض على قامعيها، لتؤسس ثقافة حرية من أجل عالم خال من الاستبداد والتسلط والتغول العولمي، ذاك الذي لم يجلب للعالم سوى كوارث الأزمة المالية والمأزق الاقتصادي، بحيث صار من الاستحالة الخروج منه؛ إلاّ على حساب العديد من معايير ومفاهيم وظواهر بنيوية أساسية في النظام الرأسمالي ذاته وقيمه التقليدية، ومن قبل أو من بعد على حساب أنظمة التسلط الاستبدادي في فضائنا العربي ومنه إلى فضاءات العالم المختلفة؛ شرقا وغربا، شمالا وجنوبا.         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق